اقتصاد

الاقتصاد الموازي – الجزء الثاني

كان مقال الاقتصاد الموازي من زاوية مختلفة محاولة لتفكيك هذه الظاهرة. وقد أثار ردود فعل مختلفة بين مستحسن لما جاء فيه وناقد له متحمس لإيلاء هذه الظاهرة مزيدا من العناية و التفصيل. لذلك فإن مقالنا هذا هو تتمة للمقال الأول سنتحدث فيه بصفة عامة عن ظاهرة الاقتصاد الموازي توسيعا لدائرة النقاش في انتظار مقالات أخرى تتناول الاقتصاد غير الرسمي، اقتصاد الجريمة والسلاح المرتبط بالإرهاب، وعمليات غسيل الأموال التي تمثّل اشكاليات راهنة في العالم العربي وحول العالم.

إقتصاد متنوع الأشكال يعمل وفق مبدأ السرية واللاعلنية متعدد الأهداف. توجد به كافة أشكال المعاملة الاقتصادية من بيع وشراء ودائن ومدين وربح وخسارة. مجال مفتوح للغنى الفاحش أو الفقر المدقع يضم كل الفئات والشرائح الاجتماعية. تجد فيه كل أنواع الأنظمة الاقتصادية قابلة للتطبيق من الرأسمالية إلى الإشتراكية وما بينهما أو ما تفرّع عنهما. لا يخضع للرقابة الحكومية ويتهرب من كافة الاستحقاقات المفترض دفعها لهياكل الدولة.

اهتمام مختلف:

تتميز ظاهرة الإقتصاد الموازي بتشعبها فهي ليست ظاهرة اقتصادية صرفة وإنما سياسية واجتماعية تؤثر و تتأثر بالواقع المعيش. كما أنها ليست محلّ اهتمام من قبل  الباحثين الاقتصاديين فقط بل كذلك السياسيين والمثقفين والصحافيين والباحثين في علم الاجتماع ورجال القانون .

تعدد التسميات و غياب التعريف:

يعَدّ قوتمان من أول الاقتصاديين الذين اعتنوا بهذه الظاهرة عندما نشر بحثه [1] عن الاقتصاد السفلي سنة 1977 منبها فيه إلى خطورة المعاملات الاقتصادية التي لا يتم تسجيلها ضمن حسابات الناتج الوطني. وقد تعددت التسميات لهذه الظاهرة لتصل إلى ما يقارب 30 تسمية من مقاربات إقتصادية مختلفة ذكرت في مقال الإقتصاد والإحصاء [2] إذ يستخدم الباحثون المهتمون مصطلحات عديدة مثل:

الاقتصاد الموازي – الاقتصاد غير الرسمي – الاقتصاد الأسود – الاقتصاد السفلي – الاقتصاد السري – الاقتصاد المخفي – اقتصاد الظل – الاقتصاد التحتي – الاقتصاد غير المهيكل – الاقتصاد غير المرئي – الاقتصاد غير الملاحظ – الاقتصاد غير المنظم – الاقتصاد المقابل – الاقتصاد الثانوي – الاقتصاد غير القانوني …

يلاحظ كذلك غياب تعريف محدد للاقتصاد الموازي أو اتفاق على تعريف جامع، لكنّ ذلك لا يمنع من تقديم التعاريف المتداولة. وعليه يمكن القول أن الإقتصاد الموازي هو “مجموعة من الأنشطة التي تحقق دخلا لا يتم تسجيله رسميا ضمن حسابات الناتج القومي إما لتعمّد إخفائه تهرّبا من الالتزامات القانونية المرتبطة بالكشف عن الأنشطة وإما بسبب أن هذه الأنشطة المولدة للدخل بحكم طبيعتها تعد مخالفة للقوانين السائدة في البلاد” [3] .

أسباب ظهور الإقتصاد الموازي:

لا يمكن تحديد سبب رئيسي لظهور الإقتصاد الموازي و إنتشاره إذ أن الأسباب عديدة

و مختلفة إقتصادية و سياسية و إجتماعية و إدارية و ثقافية و جغرافية و تاريخية كذلك

علما أن هذه الأسباب تختلف في حد ذاتها من مكان إلى آخر سواء بغياب بعضها في بلد و حضورها في بلد آخر أو بحضور احد العوامل كعامل رئيسي في أحد البلدان و كعامل فردي في بلدان أخرى .

و يمكن ذكر أمثلة لهذه الأسباب التي تدفع للتوجه نحو العمل في الإقتصاد الموازي :

  • ارتفاع المعدل الضريبي في النشاط الاقتصادي الرسمي .
  • التدخل المباشر المفرط فيه للدولة في الميدان الاقتصادي بزيادة الضغوط الإدارية والإجراءات المعقدة وطويلة الأمد.
  • الأزمات الاجتماعية و نمو معدلات البطالة الذي يدفع الكثير للعمل في الأنشطة الإقتصادية الموازية.
  • العجز الهيكلي لنماذج التنمية في الدول النامية.
  • سياسة الانفتاح المتسرّع وغير المدروس للاقتصاد الوطني.

حجم الإقتصاد الموازي:

ككل الظواهر الإقتصادية يصعب تحديد حجم الاقتصاد الموازي ومقارنته بحجم الاقتصاد الوطني المهيكل. وقد اعتمدت عدة طرق وحلول لتقدير حجم هذا الاقتصاد أهمّها [4]: الفرق بين الدّخل والإنفاق ومؤشّر إحصاءات سوق العمل وأسلوب المراجعات الضريبية والمؤشر النقدي. (يمكن الاطلاع على أكثر تفاصيل في دراسة الدكتور صفوت عبد السلام عوض الله). لتأتي الإحصائيات لتؤكد انتشار هذه الظاهرة في كل البلدان دون استثناء لكن بدرجات متفاوتة بين البلدان النامية والبلدان المتقدمة لأسباب تتعلّق ببنية الأنظمة الاجتماعية و الأنظمة الاقتصادية ومدى حرص الدولة على الحد من هذه الظاهرة أو غض الطرف عنها . يبلغ حجم الاقتصاد الموازي كنسبة مائوية من الناتج الداخلي الإجمالي نسبة 7 إلى 8 بالمئة في فرنسا ونسبة 5,5 إلى 7,5 في ألمانيا  و 2,5 إلى 3,5 في اليابان. أما في تونس فيمثّل 42 بالمئة  [5] و يسبب خسارة للدولة التونسية تقدر ب 1200 مليون دينار سنويا.

آثار الإقتصاد الموازي:

أفرزت ظاهرة الاقتصاد الموازي عديد الآثار كثيرها سلبي و قليلها إيجابي ينظر إليها على أنها مسكّن اجتماعي. تتمثل الآثار السلبية في :

  • ارتباط الاقتصاد الموازي في جزء منه بعمليات تبييض الأموال التي يعاقب عليها القانون وعمليات تجارة الأسلحة والإرهاب.
  • التأثير على نسبة النمو والتنمية وضياع مداخيل الدولة العامة بسبب التهرب الضريبي .
  • تدهور الكفاءة الاقتصادية في النظام الإقتصادي الوطني.
  • تعطيل السياسة الاقتصادية الممنهجة وغياب الاستقرار الاقتصادي.
  • الإضرار بذوي الدخل القار وظهور ذوي الدخل السري الذين يبلغون أعلى درجات السّلم الاجتماعي دون جهد أو تضحية.
  • إنتشار الفساد بكل مظاهره وتزايد الجرائم الاقتصادية وغير الاقتصادية.
  • إدخال عادات سيئة وسلوكيات جديدة على البنية الإجتماعية.

فيما تتمثل الآثار الإيجابية التي يعتبرها البعض مسكنات إجتماعية في :

  • معالجة مشكلة البطالة بصفة مؤقتة .
  • توظيف الأموال المتولدة عنه في نشاطات الإستثمار المتعددة .

الحلول المقترحة:

أهم الحلول المقترحة تتمثل في:

  • تحديد الأسباب الرئيسية لنشأة هذه الظاهرة .
  • اتباع سياسات واقعية وطموحة من شأنها زيادة الجذب نحو الاقتصاد الرسمي .
  • تكثيف عمليات المراقبة الضريبية والمراجعة المالية ومحاربة الغش والتهرب الضريبي .
  • إصلاح المنظومة القانونية الجبائية.
  • الإصلاح الإداري للأجهزة الضريبية وغيرها بالقضاء على البيروقراطية وعدم المرونة.
  • زيادة إدماج الإقتصاد غير الموازي .
  • محاربة اقتصاد الجريمة و تجارة الأسلحة وتبييض الاموال .

يقول الخبير البيروفي هيرناندوا دي سوتو أنه يجب أن تتم مكافحة الاقتصاد الموازي من خلال جعله شرعيا وهو عمل يتطلب معرفة جيدة للظاهرة وضرورة قيام رجال السياسة بوضع قواعد في متناول الجميع. ختاما يجب أن لا تبقى ظاهرة الإقتصاد الموازي في حدود مجال البحث والرصد والمعاينة بل يجب التصدي لها بإقرار حلول ناجعة.

المراجع:

[1]   Gutmaan. P, The Subterranian Economy – Financial Analysts Journal . Nov  Dec 1977 PP 26 – 30

[2]   Cazenave. J,  Economie en sous – sol – insee – antianne – N° 23 DEC 1993 , P 2

[3]   د. صفوت عبد السلام عوض الله الإقتصاد السري، دراسة في آليات الإقتصاد الخفي و طرق علاجه. دار النهضة العربية – القاهرة 2002 صفحة 4

[4]  نفس المرجع السابق

[5]  نفس المصدر السابق صفحة 45

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

رمزي محمدي

أستاذ في القانون الخاص

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..