سياسة و مجتمع فِكر

“تديين” الاستبداد

 أستطيع أن أقول وبكلّ ثقة أن التاريخ العربي القديم والحديث هو تاريخ الاستبداد تقريبا. أي أن السمة الغالبة للتاريخ العربي هي سمة الاستبداد ماعدا بعض البقع الزمنية المحدودة والطارئة ( دولة الرسول في المدينة، حكم الخلفاء الراشدين، فترة حكم عمر بن عبد العزيز ). لكنّ عمر الاستبداد وثقافته يمتد إلى ما قبل الإسلام مرورا بالعصر الجاهلي القبلي ومن قبله الإمبراطوريات القديمة الرومانية والفارسية التي سيطرت على المنطقة العربية شرقا وغربا، التي كان فيها الحاكم إلها أو نائبا للإله، وما بعد الإسلام بقيام ما سمي في الثقافة السياسية الإسلامية ( الملك العضوض بعد أن كانت خلافة راشدة ) أي أن الإمبراطوريات الإسلامية (الأموية والعباسية والمملوكية والعثمانية) قد ورثت تماما أنظمة الإمبراطوريات القديمة نفسها ولكن بلون إسلامي فقط، ولم يتغير فيها شيء.

لقد وصف الأمويون سلطتهم المطلقة – الملك العضوض – بأنها قضاء الله وقدره وإرادته وماعلى المسلمين إلا الخضوع والتسليم لأن التسليم لسلطتهم العضوض هو تسليم وخضوع لإرادة الله وقدره وهي جزء من تمام إسلامهم. وكان لهم ذلك وتولى الفقهاء بناء الصرح الفقهي والثقافي لذلك بحيث أصبحت السلطة المطلقة وطاعة ولي الأمر بشكل مطلق جزءا من الدين نفسه (تديين الاستبداد). أما العباسيون فقد زادوا على ذلك -وزادوا الطين بله- بأن جعلوا الخليفة نائب الله على الأرض ووكيله وطاعته أيضا طاعة لله تعالى نفسه. وقام الفقهاء بتحريم أي خروج على الخليفة (نائب الله) وكان مصير الخارجين القتل والتنكيل وقبل ذلك التكفير كمقدمة لتشريع الذبح والقتل وبالفعل فقد بلغ العباسيون حد التأليه لخلفائهم وبدعم وإسناد فقهي من علماء أو فقهاء السلطان. وقد استمر الأمر على هذا المنوال حتى سقوط الخلافة العثمانية في أوائل القرن العشرين .

ومن الغريب أنه حتى حركات المعارضة التي كانت في غالبها شيعية المذهب، قد تقمصت نفس المنظومة الاستبدادية ولكن من زاوية أخرى تحت ذرائع دينية وفقهية أخرى -الإسلام بريء منها في الحالتين طبعا-. ففي المنظومة السلفية السنية الأموية والعباسية كان الخليفة صاحب سلطة مطلقه ونائبا لله في الأرض ومسدّدا إلهيا. وكذلك كان الأمر في المنظومة السلفية الشيعية حيث بلغ الإمام لديهم درجة المعصومية ومعرفة الغيب، طاعته من طاعة الله. وهنا ذروة المأساة في تاريخنا حيث أنّ السلطة (الموالاة) والمعارضة تنهل من نفس المنظومة الاستبدادية (البطركية – القروسطية) بالتعبير الغربي. ولذلك لف الاستبداد الأسود حياة مجتمعاتنا سلطة ومعارضة واخترقها عموديا وأفقيا، سياسيا وثقافيا واجتماعيا.

هذه المنظومة السياسية لجناحي الصراع ( السلطة السنية والمعارضة الشيعية ) استدعت موضوعيا منظومتها الثقافية ( الفقهية ) من جهة وبنيتها الاجتماعية ( البطركية ) من جهة ثانية. حيث تولى الفقهاء إعطاء الشرعية الدينية والفقهية لهذه المنظومة السياسية بتكريس ثقافة يومية وممارسة عملية مجتمعية عبر مئات السنين تعيد إنتاج هذه المنظومة. أكتفي الآن بإيراد بعض الأمثلة ( يجب على المسلم طاعة الإمام حتى لو كان فاجرا  أو فاسقا ) ( الإمامة بالغلبة – بالقوة ) ( سلطان غشوم ولا فتنة تدوم ) ( إن حدوث الفسق من الإمام بعد عقد البيعة له لا يوجب خلعه ) ( من قتل السلطان فهو سلطان ) كما تم وضع العشرات من الأحاديث ( المنسوبة للرسول ) التي تبرر وتشرع الخضوع للحاكم / السلطان مهما كان عادلا أو ظالما، برّا أو فاجرا وكأنه الإله بذاته.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

موفق زريق

Leave a Reply

Be the First to Comment!


 
نشر..

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂