فِكر

ماياكوفسكي، شاعر ثوريّ لا شاعر ثورة

يؤكّد تاريخ السوريالية أنّ مفهوم الأدب كان حافلا بسجالات عديدة ومآزق كبيرة. فهو من جهة يتفاعل مع الواقع ليصبح طاقته الثورية، ومن جهة أخرى يتجاوز ذلك ليكمن “معناه العميق في تجاوز الأدبيّة إلى الدخول في أسرار الكون.”[1] ولعلّ هذا النّزوع الذي يذهب به إلى ما وراء الواقع كنقض لسلطة الجنس الأدبي، وبحث مستمرّ عن اللّامرئي، وإقامة في فلك الأسرار الكونية هو الذي جعل منه عرضة للعديد من الاتّهامات من قبل ما يعرف اليوم بظاهرة الالتزام خدمةً للقضايا الاجتماعية والسياسية. وهي تقريبا، نفس الاتهامات التي يواجهها أدونيس اليوم.

إبراز مفهوم الشعر في علاقته بالثّورة لا يمرّ في تقديرنا إلاّ عبر تحديد الوجه الإشكالي لهذه المسألة وذلك بالبحث عن المشترك الدلالي لدى أدونيس والسورياليين لهذا المفهوم. وتحديد هذا المشترك، لا يمرّ هو الآخر إلاّ بالنّظر إلى تجربة السورياليين السياسية وما شهدته من وقائع لم تخل من إثارة،  نظرا لازدواجية مواقفهم إزاء الثورة. إذ بدت في نظر البعض نزوعا في اتّجاه الفوضوية إلاّ أنّ الإعلان الصّادر في منتصف العشرينات من القرن الماضي، كان قد وضّح ذلك بعد أن أعلنوا قائلين: “لقد قرنّا إسمي السوريالية والثورة لنظهر الطابع اللّامبالي واليائس تماما لهذه الثورة.”[2] فأصبح الشعر في نظرهم اختراقا للواقع الثوري لا محاكاة له. أي أنّه خرج من دائرة مديح الثورة، ولم يعد قائما من نزعة حدثية، إنّما صار ذهابا إلى المجهول ومغامرة ثورية أغنى وأرحب من الثورة نفسها. هذا الأمر، مثّل سجالا عنيفا حتّى أنّ لويس أراغون شقّ طريقه من السوريالية إلى الواقعية بعد انضمامه إلى مؤتمر “خاركوف”، وانضمامه للشيوعية السّوفياتية، ممّا جعل من بروتون يقدم بعدها على طرد ايلوار وآخرين نتيجة ميولاته التروتسكية[3] ،التي اكتشفت عند ليون تروتسكي “عقلا منفتحا ومتفهّما يعتقد بأنّه يجب على الفنّ في عام 1938، إذا ما أراد أن يحافظ على طابعه الثوري، أن يستقيل عن جميع أشكال الحكم ويرفض جميع التّوجيهات.”[4]

في هذا الإطار، نستطيع تسليط الضوء على تجربة الشاعر الرّوسي ماياكوفسكي، لا لشيء، إلاّ لأنّنا نراه الأقرب إلى هذا السّجال الدائر بين السورياليين ذوي النزعة التروتسكية والواقعيين أنصار التجربة الاشتراكية السوفياتية وقياداتها، حتّى أنّ هذا السّجال ألقى بظلاله على أدونيس وغيره من الشعراء العرب. لذلك نعتبر ماياكوفسكي منطلق العبور لرصد المشترك السوريالي-الأدونيسي في النّظر إلى علاقة الشعر بالثورة.

خلافا للموقف اللّينيني، ونقضا للرّؤية الستالينية للأدب، كان تروتسكي يردّد باستمرار “ليس حقل الفنّ واحدا من تلك الحقول التّي يدعى فيها الحزب للقيادة،”[5] إلاّ أنّ الأمر كان عكس ذلك، فقد وظّف لينين الفنّ ليكون في خدمة الجهاز الحزبي-التعبيرة السياسية عن الثورة الاجتماعية والاقتصادية- . ففي لقاء جمعه ببعض الشّباب الشيوعي سألهم “”هل تقرأون بوشكين؟” فأجاب واحد منهم “كلّا إنّه برجوازي، نحن نقرأ ماياكوفسكي الشيوعي” فابتسم لينين قائلا  “أعتقد أنّ بوشكين أفضل من ماياكوفسكي“[6]. ومنذ ذلك الحين خفّت عداوة لينين لـماياكوفسكي، لا لأنّ هذا الشاعر مبدع وفذّ في نظره، بل لأنّ في شعره نقدا للبيروقراطية وهذا ما أتاح لـلينين تحويله إلى سلاح ثقافي يضرب به الجناح الانتهازي داخل الحزب دون النظر إلى طاقاته الإبداعية.

لم يكن ماياكوفسكي شاعر ثورة، بل كان شاعرا ثوريا، أي أنّ امتداده كان أوسع من الثورة في حدّ ذاتها. فهو “طاقة متمرّدة هائلة، وقد أعطت الثورة هذه الطاقة دفعا عظيما. ولكن ما إن أقامت الثورة سلطتها، وباشرت عملية البناء الاشتراكي، حتّى اتّخذت الحياة وتيرة سير أخرى، واتّخذ الصراع بين القديم والجديد منحى آخر. وهنا قام تعارض بين الشاعر والواقع”[7]  بعد أن ذهب بالواقعية الشعرية إلى الاشتراكية وطعّمها برؤيته المستقبلية التي ذهبت به إلى حدّ اختراق الواقع والمرور إلى مستقبله الغامض كنوع من إضاءة المجهول واللّامرئي. وجد السورياليون في هذا الشاعر موهبة كبرى وطاقة ثورية مكّنته من تجاوز الواقع، بالكشف عن نقائصه ورفض بنيته الإنتمائية المنغلقة في دائرة حزبية ضيّقة. ولا يخفي بروتون إعجابه فيقول “إنّ الجميل الذي أكنّه لـماياكوفسكي ينبع من أنّه فضّل وضع “موهبته الكبرى” التي منحه إياها تروتسكي، في خدمة الثورة بدلا من أن يستخدمها لمنفعته الشخصية.”[8] ويكشف لنا المصير المشترك لـتروتسكي الذي مات مقتولا في المنفى وماياكوفسكي الذي انتهى منتحرا، عن بؤس واقعية الثورة وطابعها اليائس واللّامبالي كما رآها السورياليون.

يبقى الشعر، أعمق من مديح إيديولوجي، لأّنّه عبارة عن تخصيب لأبعاد الثورة وتدفّق مستمرّ لنزعتها المستقبلية، ونقد لاذع لموتها وانحباسها في منظومة معيّنة. فالإنسان لا يحيا في التنظيمات، ولا ينتمي لطبقة اجتماعية في حدّ ذاتها إلاّ مؤقّتا، هو في النهاية يعيش في الحرّية المطلقة، التي لا تتأتّى إلاّ عبر نزعة وإرادة مستقبليتان تصلان به إلى غايته القصوى. فإذا “كانت الإيديولوجية أفقا محدودا، فإنّ الشعر العظيم هو ذلك النّسغ الذي يفجّر هذه المحدودية ويتّجه نحو ما لا حدود له، وما لا ينتهي.”[9]وهو التدفّق المستمرّ لاختراق السياق الزماني والمكاني، وذلك كأن يرتفع إلى اللّانهائي، ويخلق لغة شعرية جديدة تليق بالحدث الثوري، إذ من الخطأ التعبير بلغة شائعة عن ثورة حققت واقعا جديدا. وماياكوفسكي، كما رآه أدونيس “كان يحاول أن يخلق باللّغة الشعرية عالما فنّيا يتطابق مع هذا الأفق الاجتماعي السياسي الاقتصادي الذي خلقته الثورة.”[10] أي أنّه لم يقتصر على تمجيدها ومدحها، بل ذهب إلى اختراقها ليصبح الواقع الثوري خارجا عن إطار الجمود بقابليته التفجّر من جديد. فالثورة لحظة انتقالية تستدعي تثويرا مستمرّا، نزولا عند الرّغبة المستقبلية وهو ما لا تقبله الأجهزة الحزبية-البيروقراطية التي ذهب ماياكوفسكي إلى نقدها في قصيدته “جواز سفري السوفياتي” قائلا :

سأمزّقُ أحشاءَ البيروقراطيةِ

سأمزّقُهَا

لا احتِرامَ للأوامرِ[11]

تصبح الثورة هنا، معطى جامدا، سجينة الآلة البيروقراطية التّي حنّطتها. أمّا الشعر، فيبقى نزعة في اتّجاه المستقبل ودعوة ثورية متجدّدة. لا يموت بمجرّد موت الثورة وانحباسها في مقتضيات النّظام. ويستدلّ أدونيس على بقاء شعر ماياكوفسكي فيقول بأنّه “عائد إلى اكتنازه بطاقة ثورية تتجاوز الأوضاع القائمة أنذاك. إنّ قيمته، بتعبير آخر، هي ما اعتبره لينين تفاهة وانحطاطا، أي نزعته المستقبلية.”[12]

الثورة وسيلة عبرها يصل الإنسان إلى جوهره وكنهه، وهي مطيّته للإقامة في أفق الحرّية، أي أنّها تتوالد باستمرار، لا تهدأ، بل تراجع نفسها وتتقدّم في اتجاه المستقبل، ولكنّها تصطدم بواقع السّلطة في شكلها السياسي-التنظيمي فتكون مدعوّة للتفجّر من جديد وللتخلّص من البنى الاقتصادية والاجتماعية الجديدة كما تخلّصت من غيرها القديمة. أمّا الشعر، فهو على غرار ذلك، مدعوّ لنقض أشكال التعبير القديمة. لذلك فإنّ الشعر الذي يقلّد الثورة “واصفا منجزاتها وأهدافها بتفاؤل يصل أحيانا إلى درجة السّذاجة. شعر يخون في النّهاية، الثورة ومعناها. ويخون الحرّية ومعناها. ويخون الثورة لأنّها بطبيعتها في حاجة دائما إلى إعادة النظر في خطواتها.”[13] وعلى العكس من ذلك، فالشّعر الثوري، هو شعر يذهب إلى تفكيك الواقع، ويشير إلى مواطن النّقص فيه، بهدف إعادة تكوينه من جديد. وهو لغة المستقبل، يدحض باستمرار كلّ أشكال الالتزام والتحزّب ويخلق بلغة مفارقة جديدة ومتجدّدة مناخا لواقع أرحب وأسمى.

أمّا إذا كان عكس ذلك، فسيموت بمجرّد انتهاء الحدث الذي أنتجه. هذا الحدث، هو مجرّد حالة أو بنية انتقالية، أي إنهّ مؤقّت لا غير، سجين سياق زماني ومكاني. والشّعر، يظلّ أوسع من ذلك، لغة تحمل في مناخها هاجس الإنسانية ككلّ، لا يعلّم ولا يبشّر ولا يسوّغ ولا يدافع ولا يمدح ولا يهجو، بل يذهب إلى “تغيير الطّريقة السّائدة في رؤية الحياة والعالم. والتّي عبر تغييرها، مجازيا، تنشأ صور وطاقات لتغيير العالم، مادّيا.”[14] هو إذن، شهادة إدانة ضدّ الموجود وسلوك إنكاري تجاه مسار الإنسانية ككلّ، وهو في خضمّ هذا، نزوع في اتّجاه تأليف رؤية مفارقة في تمعين العالم، تمكّن الإنسان من اكتشاف طاقاته المهملة. وهو في سعيه المتجدّد لنفي الأدبية والحلول في قلب الألغاز والأسرار الحياتية والكونية، يبقى غاية، عبرها تتشكّل لغة المستقبل، وتتحرّر من قيودها الوظيفية-التواصلية-الاجتماعية، لتكون لهجة الإنسان، الذي يحيا في فلك الحرّية المطلقة، الإنسان الذي يقف على فوهة الغيب-المطلق ليحلّ الأسئلة الأكثر خطرا، والمسائل الأعمق، التي اعترضت سيرورة حياته المكبّلة باليومي وبالتناقضات الاجتماعية.

يبقى الشعر لغة ما بعد التناقضات، ولهجة الإنسان بعد تحرّره من كلّ هذه الاعتراضات الحياتية. فهو كتابة جديدة لا مناص لها إلاّ بالتخلّص من أشكالها التعبيرية القديمة، حتّى يتسنّى لها الإقامة في مناخ الإبداع. وهنا يكمن الفرق بين مختلف الرّؤيتين؛ الأولى التي تذهب بإقحام الشعر في خدمة الثورة وأجهزتها التّنظيمية. والثانية تلك التي تجري في فلك آخر لترتق به إلى درجة الإبداع، وتحرّره من كافّة أشكال القيود السّلطوية.

المراجع:

1- أدونيس، “الصوفية والسوريالية”، ص132.

2- موريس نادو، “تاريخ السوريالية”، ص91.

3- إيقون دوبلسيس، ” السوريالية”،  ص19.

4- موريس نادو، “تاريخ السوريالية”،  ص224.

5- إسحاق دويتشير، “النبي الأعزل: تروتسكي”،ج2، تر. كميل قيصر داعر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1982، ص190.

6- عوض رمسيس، “الأدب الروسي قبل الثورة البلتشيفية وبعدها”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1987، ص ص 90-91.

7- حديفه عارف، “مايا كوفسكي مع مختارات من شعره”، مكتب الخدمات الطباعية، دمشق، ط1، 1986، ص10.

8- موريس نادو، “تاريخ السوريالية”، ص175

9- أدونيس، “سياسة الشعر”، دار الآداب بيروت، ط1، 1985، ص158.

10- العالم محمود أمين، “في قضايا الشعر العربي المعاصر: دراسات وشهدات”، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، 1988، ص59.

11- حديفه عارف، “مايا كوفسكي مع مختارات من شعره”، ص24.

12- أدونيس، “زمن الشعر”، ص125.

13- أدونيس، “زمن الشعر”،  ص61.

14- أدونيس، “سياسة الشعر”،ص20.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

حاتم التليلي

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..