سياسة و مجتمع

البيروقراطيّة أو سلطة الإدارة والموظّف

البيروقراطية مفهوم فرض نفسه في إطار التعامل اليومي مع الإدارة والهياكل خاصة بعد الثورة، لكنّه ليس طارئا على الممارسة في العلاقات مع مؤسسات الدولة. في هذا المقال الموجز نحاول تعريف هذا المفهوم بصورة تزيح الغموض.

في حديثنا التونسي المتداول نسمي المكتب الذي نجلس عليه “بيرو” وفي الإستعمال عموما نقصد بكلمة “بيرو” أو “مكتب”، الإدارة التي يكون فيها عدة مكاتب وعدّة موظفين يجلسون على هذه المكاتب. مكتب البريد مثلا يعني تلك الإدارة التي تضم جميع الموظفين الذين يعملون بها، من المدير إلى أصغر موظف. ينتظم عمل هؤلاء الموظفين في إطار سياسة مرسومة لهم ويخضعون للقوانين واللوائح التي تحدد سير عملهم. هم الذين يتمتعون بنفوذ، و ليس لهم دور في توجيه سياسة الحكم. إطار فعلهم ينحصر في تنفيذ التوجيهات التي تصدر لهم من الجهات العليا في الدولة. في الحاضر تحول هذا الدور عبر نشأة ظاهرة “البيروقراطية” -التي تتمثل في اكتساب الموظفين الجالسين على المكاتب- لنفوذ سياسي حوّلهم إلى قوّة لها أثرها الكبير في إدارة شؤون الحكم و توجيهه. هنا يطرح سؤال جوهري كيف اكتسبت البيروقراطية قوتها السياسية؟

في الماضي و على مر الأجيال كان النفوذ السياسي في يد طبقات بعيدة كل البعد عن طبقة الموظفين. في القرون الوسطى في أوروبا كان النفوذ السياسي بيد رجال الدين، يعتمدون على سلطانهم الروحي في تنفيذ سياستهم. في القرنين السابع عشر و الثامن عشر في أوروبا تحول النفوذ السياسي إلى يد الملوك والنبلاء الذين يعتمدون على عراقة أصولهم وحقهم المستمد من العناية الالهية. خلال القرن التاسع عشر اضمحل نفوذ الملوك تدريجيا وأصبحوا مجرد رموز فوق عروشهم وتحوّل النفوذ السياسي إلى رجال السياسة، الذين يعتمدون على شعاراتهم السياسية في إقناع الرأي العام و توجيهه.

في القرن العشرين و مع تضخم الصناعة ظهر نفوذ رجال المال. وأصبح معه رجل السياسة خاضعا لأوامر الرأسمالي الكبير. مرحلة حسمها صعود التيار الإشتراكي في عدة دول للتخلص من سيطرة رجال المال على الحكم. من طبيعة النظم الإشتراكية أن تتدخل الدولة في كثير من مرافق الحياة الإقتصادية والإجتماعية. وبذلك تتضخم أجهزة الدولة وينمو عدد موظفيها ويشرف كثير من هؤلاء على مشاريع حيوية. من المفروض أن الموظفين وهم يقومون بهذه الأعمال الخطيرة، إنما يطبقون مبادئ و برامج مرسومة لهم. لكن يحدث إذا ما تهاونت الدولة في وضع رقابة دقيقة على هؤلاء الموظفين أن يتحولوا إلى قوة مسيطرة تستفيد من وضعها وإشرافها على جميع مرافق الحياة، لتكتسب نفوذا سياسيا خاصا بها. عندئذ تظهر البيروقراطية كطبقة جديدة في المجتمع، تقوى وتشتد وتستغل لحسابها الخاص الأعمال التي تقوم بها.

هذه الفئة في وقتنا الراهن أصبحت تلعب دورا مهما في توجيه الرأي. ومع تواتر التجارب السياسية وتداخل مصالحها واختلاف توجهاتها بين ليبرالية واشتراكية، وجدت هذه الفئة موطأ قدم لتصبح ركنا أساسيا في الموازنة السياسية عبر جملة تداخلاتها وعلاقاتها المتشعّبة وأضحت بصورة الاخطبوط الذي يجمع بأطرافه كل مكوّنات المشهد.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

حامد محضاوي

تونسي، حاصل على الإجازة في الآداب و الحضارة العربية. نشرت له نصوص أدبية وفكرية و صحفية في:
-صحيفة كاسل جورنال الدولية الإلكترونية
-صحيفة الأنباء العربية الإلكترونية
-صحيفة أخبار الوطن الفلسطينية الإلكترونية
-صحيفة خبركم العراقية الإلكترونية
-صحيفة الإسماعلية برس المصرية الإلكترونية
-موقع ساسة بوست
-صحيفة مننكس الإخبارية تونس
-صحيفة العطوف تونس
-صحيفة تونس الخضراء
-صحيفة اليوم الإلكترونية
-صحيفة الإعلان الجديد الورقية
-صحيفة تونس الإخبارية الإلكترونية.

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..