تاريخ دين

تاريخ الانحطاط العربي (الجزء الثالث): التّزييف القبليّ الامبراطوريّ للإسلام

لمّا كان الانقلاب القبلي العائلي -الأموي- على الإسلام فجّا، صارخا ومناقضا لجوهر تعاليم الرّسالة الجديدة، كان لابدّ من المباشرة بعمليّة إعادة تأويل وتفسير الإسلام على الوجه الذي يبرّر ويسوّغ هذا التّحول القبليّ الاستبدادي الامبراطوري. وقد تمّ عبر عدّة آليّات دينيّة وثقافية وفقهية.

تاريخ الانحطاط العربي -الجزء الأوّل-

تاريخ الانحطاط العربي -الجزء الثاني-

نشر فلسفة الجبر والغاء حريّة الإنسان:

تمّ نشر فلسفة وثقافة الجبر وإلغاء مبدأ حريّة الإنسان ومسؤوليّته عن أعماله وتصوير ما جرى من سطوة لبني أميّة واستيلائهم على الخلافة بالقوّة وتأبيدها بالوراثة كقضاء وقدر من الله سبحانه وتعالى. ولا يجوز إطلاقا رفض وانكار ماقدّره الله فما علينا إلّا الانصياع لإرادته وحكمته. كانت الفلسفة الأشعريّة التي لاقت رواجا كبيرا تمثّل ذروة هذه المحاولات في تكريس ثقافة الجبر في العصر العباسي الذي كان أكثر طاغوتية من الأمويّين أنفسهم لأنّهم اعتبروا الخليفة “ممثل الله على الأرض”!

وقد لاقت هذه الفلسفة الكثير من المقاومة من العديد ممّن تبقّى من الصّحابة والتّابعين مثل مدرسة الحسن البصري والمعتزلة فيما بعد. إلاّ أنّ السّلطة وعلماءها وفقهاءها نجحوا في تصفية أنصار مدرسة الحريّة الإنسانية تماما في نهايات العصر العباسي، بدءا من عصر المتوكّل. كان حجّة الإسلام الغزالي أكبر ممثّل لفلسفة الجبر الأشعرية، وانتهى إلى التّصوّف واتهام الفلسفة والمنطق بالزندقة. وهكذا أطبقت ثقافة الجبر على حياتنا العقلية والفكرية منذ ذلك الحين حتّى الآن. وما يزال خطباء الجمعة يهاجمون أنصار القدرية أي الحريّة من على المنابر باعتبارهم أهل بدعة وضلال.

محاربة العقل لصالح النّقل:

لم يكتفِ هؤلاء بالتّأويل الجبريّ للقرآن بل عمدوا إلى استبعاد القرآن والتّعتيم على تعاليمه الواضحة في الحريّة والشّورى والعدل، لمقاومة مدرسة الحريّة التى تعتمد العقل والعقلانيّة والرّأي الحرّ عن طريق تكريس منهج النّقل، بل وفتحوا الباب واسعا لتدوين ووضع الأحاديث عن الرّسول عليه السلام، بعدما كان النّهي صارما عن كتابة الحديث من الرّسول نفسه ومن بعده الخلفاء الراشدين إلى الحدّ الذي أصبح الغرض منها مكشوفا. فقد تشكّلت جماعة من المحدّثين (الوضّاعين) وانتهى الأمر إلى حدّ أن يصبح الحديث بديلا للقرآن، على قاعدة تفسير القرآن بالأثر أي بالنّقل. لأنّ الحديث مبيِّن وشارِح ومفصِّل لعموم القرآن، يجب ترجيح الحديث على القرآن عند التّعارض (راجع الغزالي في فضائح الباطنية ). ونستطيع أن ندرك حجم التّزييف عندما نعلم أنّ عدد الأحاديث الموضوعة بلغ ألف ألف (مليون) حديث. كان ابن حنبل يحفظها بالكامل ولمّا قام البخاري بغربلتها لم يتبقَّ سوى ما يقارب ستّة آلاف حديث!(3) يمكن الآن بالمزيد من التّحقيق والبحث والتّوثيق غربلة المزيد والمزيد.

لنا الآن أن نتصوّر حجم التّزييف، عندما تصبح الأحاديث بديلا عن القرآن أو أكثر رجحانا كدليل في معرفة حكم الدّين. وحتّى الحديث الصّحيح بعد الغربلة، فهو صحيح سندا وليس متنا. وهو احاد وليس متواترا، أي أنّه ظنيّ وليس قطعيّ الورود. من الأمثلة على ذلك تلخيص الإسلام في الأركان الخمسة، وهي شعائر خمسة اعتمادا على حديث من الاحاد. بينما القرآن في فاتحته يلخّص الإسلام في الصّراط المستقيم الذي لا يتضمن أيّ شعيرةٍ على الإطلاق، كما ورد في سورة الأنعام الآيات 150-153. وهي عبارة عن عشرة مبادىء كبرى (وصايا) تلخّص التّوحيد وحقوق الإنسان في حرمته وكرامته والعدل والأمانه وتحريم الفواحش الخ.. وحتّى كلمة أركان، لم ترد على الإطلاق في القرآن.

تضخيم الشّعائر وتغييب الصّراط:

 العبادة في جوهرها القرآني ليست هي الشّعائر بل هي اتباع الصّراط المستقيم. والشّعائر تسمّى شعائر أو مناسك، لم يشر إليها القرآن على أنّها عبادة أبدا! إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر” سورة العنكبوت، آية 45. الصّلاة من الشّعائر المكتوبة. والنّهي عن الفحشاء والمنكر من واجبات المسلم الجوهرية وهي من الصراط المستقيم. الصّلاة شعيرة لازمة للصّراط، وهو الهدف والجوهر. ما حصل، أنّهم جعلوا الصّلاة وكلّ الشّعائر الأخرى هي الأركان. وأصبحت هي الهدف بذاتها وتمّ استبعاد الصّراط المستقيم “صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين” -سورة الفاتحة، الآية 7- الذي يفضي بالمسلم إلى جنّة النّعيم. يُحكى أنّ الإمام ابن حنبل كتب آلاف الصّفحات عن الوضوء والصّلاة. ولم يكتب صفحة واحدة عن العدل في الإسلام مثلا.

“وأنّ هذا صراطي مستقيما فاتبعوه” سورة الأنعام، الآية 153. العبادة هي فعل اتباعِ صراط الله وشعائرها هي الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ.. فقاموا بالتّعتيم والتّظليم على الصّراط لأنّه المضمون الجوهريّ للإسلام في الحريّة والعدل والمساواة، ولأنّه يكشف ويعرّي استبدادهم، لصالح تضخيم وابراز الشعائر باعتبارها هي جوهر الإسلام! أي أنّهم ضيّعوا الجوهر لحساب الشّكل والشّعيرة وحسب، وهو أيضا واقع حالنا الآن.

الكهنوت الفقهي أو سطوة الفقهاء:

بإسقاط الشّورى وفرض الاستبداد بعد عصر الخلفاء الراشدين عبر ثقافة الجبر، تمّ إلغاء حريّة الإنسان. وبفتح باب تدوين الحديث وتضخيمه، تمّ تهميش القرآن. وبتكريس منهج النّقل، تمّ إلغاء العقل. ولكي تكتمل الحلقة، جاؤوا بالقياس ليسيطِر علماء السّلطان على المنطقة المباحة من اشتغال عقل الإنسان (“أنتم أعلم بشؤون دنياكم” -حديث نبوي-)، لأنّه أصوليّا، الأصل في الأشياء الإباحة، إلّا ما هو محرّم دينيا بنصّ قطعي الورود والدّلالة. والقياس آليّة لجعل كلّ ما هو دنيويّ يمارِس فيه عقل الإنسان دوره وخلافته، ضمن نطاق الدّين والوصاية الدينية. أي تمّ إغلاق المباح نهائيّا لصالح الفقهاء وفقهاء السّلطان على وجه التحديد، لأنّ الفقهاء هم أهل الدّين والقرآن. وهم القادرون على استخدام القياس لتوليد الحكم الديني المناسب لما هو دنيوي. وأوّل من ابتدع القياس، الإمام الشّافعي، من فرضيّة وهميّة أنّ الكتاب أي القرآن والسّنّة يحتويان كلّ الحلول الإلهيّة لمشاكل الإنسان. ولمّا كانا محدودين ومشاكل الإنسان غير محدودة، فلا بدّ من القياس لتوليد الحلول الجديدة للمشاكل المتجددة.

الكثير من الأصوليّين مثل ابن حزم وجعفر الصّادق وغيرهم قد رفضوا هذا الاجتهاد إلاّ أنّ السّلاطين وفقهاءهم تبنّوه واشتغلوا عليه. وعمَّ وساد إلى درجة أصبح وكأنّه جزء من الدّين نفسه. وهكذا أصبح الدّين والدّنيا بكلّ ما فيها من سياسة واقتصاد واجتماع وثقافة وفنّ تحت هيمنة كهنوت الفقهاء ومن ورائهم أو من فوقهم السّلطان. وهكذا أصبح الإنسان المسلم بدون فعاليّة عقليّة تماما إلّا للذاكرة والحفظ بدون تدبّر وعقل، لأنّ كلّ شأن من شؤونه يجب أن يعود إلى الفقيه أو الشّيخ أو رجل الدّين. وأصبحت الدّنيا دينا والسّياسة دينا والاقتصاد دينا والموسيقى دينا. والكلّ قطيع للسّلطان أو للفقيه.

اقرأ أيضا

تاريخ الانحطاط العربي -الجزء الأوّل-

تاريخ الانحطاط العربي -الجزء الثاني-

-يتبع-

المراجع :

(3) عبد الجواد ياسين – السلطة في الاسلام – طبعة ثانية – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – ص 258

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

موفق زريق

1 Comment

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..