تاريخ ثقافة

الشعراء الصعاليك (2) : “حكاية تأبّط شرّا، رامي يحيى والغولة”

منذ أكثر من ألف وخمسمائة عام أنجبت صحراء شبه الجزيرة العربية أحد أساطير ذئابها:”ثابت بن جابر بن سفيان بن عدى الفهمي“، قالوا أنه ابن “أميمة” و”جابر الفهمي” الذي مات وهو مازال صغيرا، فتربى في كنف زوج أمه “أبو كبير الهذلي” وهو أحد مشاهير صعاليك العرب. وقالوا أيضا أن أمه وزوجها تآمروا على قتله وهو مازال فتى صغيرا لخوفهم منه. ويبدو أن كلّ ما يصل إلينا عنه يتّسم عادة بتعدد الروايات والأخبار، حتى لقبه الذي عرف به لم يسلم أيضا من التضارب وتعدد المصادر ما بين الأسطوري والوقعي. وفي النهاية نحن أمام حالة فريدة حنّكتها المحن، وأكسبتها القدرة والصلابة والمواجهة، ومن المؤكد أنه لم يكن مدينا إلا للتجربة والصحراء التي أرهبت أعداءه لأنه أينما حلّ عليهم فإنه: يـ”تأبط-لهم-شرا”.

أفخر كثيرا لأنني كنت ذلك الشر الذي تأبطه “ثابت” يوما. فبدافع من الوحدة والملل قرّرت السّفر إلى صحراء شبه الجزيرة العربية وأوغلت في الرجوع بالزمن علّني أسعد بفروسية الماضي وأتنسم رائحة الحرية والمغامرة المخبوءة.

كانت “أميمة” قصيرة القامة. جسدها الأسمر الممتلئ يترجرج بشدّة مع صوتها الغاضب المؤنب لـ”ثابت” لأنه لم يحضر لها مثل باقي الأولاد الطيبين هدايا الصحراء وهبات عالم الصعلكة الذي أحاطه ووصمه منذ طفولته. التمرد والمكر والحيلة اختلطت بملامح وجهه الحزين، وهو يمشي ليلا وحيدا ويتيما بحذاء مثقوب ومتآكل. يشبه هذا الحذاء الوطن الذي يحيا داخله “رامي يحيى” ووصفه ذات مرة*(1). تجلّى الحذاء الإنساني المتآكل كما يلي:

لا شيء في ريدها إلا نعامتها     منها هزيم ومنها قائم باقٍ

بشرنة خلق يوقى البنان بها      شددت فيها سريحا بعد إطراقٍ

الصحراء حولنا مظلمة تسكنها أشباح أحلام الفتوة. حياته:”يمكن تلخيصها في كونها (حياة صراع)، وقد كان صراعا شاقا مضنيا قاسيا، لا تقوى على دوام احتماله إلا نفوس أوتيت مقومات خاصة من القوة والجلد وثبات العزيمة”*(2)، لهذا أحببت مساعدته لقدرتي على المساهمة في نسج أسطورته. كما عشقت عينيه التي لم تعكس إلّا تحديا واضحا لأوامر أمه، فانقسمت وتحولت إلى أفاع كثيرة تنتشر تحت قدميه ليملمني بجرأة وحزم في جرابه، ثم يلقي بي بين يدي الجنة المسكونة تحت أقدام أمه، التي فزعت وجرت تخبر جيرانها بأن ثابت “تأبط شرا”. ضحكنا حتى دمعت أعيننا من رد فعل الأم والجيران.

المسافات بيننا تذوب، ونحن نتشارك رغم بعد الزمن نفس طرق الصعلكة الوعرة، نفس مستويات الصراع والمعاناة التي توزعت على أصعدة ثلاثة: *(3)

  • الفقر وآثاره، والشعور بالهوان في المجتمع والضياع فيه.
  • حياة الصعلكة نفسها، وبيئتها وأساليب مزاولتها.
  • الآثار التي تجرها الصعلكة من عداوة أي سلطة حاكمة.

هذهىالصراعات جعلت مني “غولة” يحملها إلى بيته حتى يخشاه أعداءه، ثم تتحول تلك “الغولة” المخيفة من سلاح يرهب به الأعداء إلى معشوقة يتغزل بها ويرجو وصالها:

فأصبحت الغول لي جارة           فيا جارتا لك ما أهـولا

فطالبتها بضعها فالتـوت            علي وحاولت أن أفعـلا

فمن كان يسأل عن جارتي         فإن لها باللوى مـنـزلا

 يملك “تأبّط” خفة دم وقلبا طيبا وسرعة بديهة، وحيلة واسعة للظفر بأعداءه أو للهروب من مكائدهم. جسده أسمر وقصير ورفيع من كثرة العدو وقلة الزاد، هيئته/ أحلامه/ حكاياته/ وشخصيته الشيطانية المحبة للمغامرة والتمرد والوضوح تشبه كثيرا شخصية “رامي يحيى”، فهما يتيمان وفقيران وعلى فطرتهما، حتى أن أشعارهما ليست إلّاترجمة حرفية لكلّ المواقف العادية التي تحيط بهما.

“أعطني الناي وغني/ فالغنا سر الوجود/ وأنين الناي يبقى/ بعد أن يفنى الوجود/ ..” أغنّي كلمات جبران لابن الصحراء والليل الذي يسكن قلبه ويزحف على لون عينيه وبشرته الداكنة. أنظر إليه بلون خمري متعال، فرغم الادعاء أغلبنا في قلبه بعض العنصرية التي تحتقر الاختلاف، وتقدس القوالب التي تشبهه في الأفكار والأحلام وحتّى في اللون الذي منحنا الله إياه. وفيخلفية مشهدية يبدو “رامي” وهو يكتشف لأول مرة وهو طفل اختلافه الفطري بسبب لونه:

“أهم المواقف كان الحدث الفارق في حياتي، يوم ما اكتشفت أني أسود. كانت وقفة العيد، وده يوم ما بيبقاش فيه عند الصبي أي حاجة تشغل باله أكتر من الحصول على العيدية من كل اللي بيتعامل معاهم، حتى أنّ عم فوزي القهوجي لما جِه يحاسب الأسطوات اتلمينا عليه كلنا ناخد منه العيدية. دايرة أطفال حوالين القهوجي المسكين اللي عمال يفرق شلنات وبرايز يمين وشمال، ومش عارف يبعدهم ولا حتّى ينظمهم في طابور يعرف له أول من آخر. أخدت العيدية منه زيي زي أي صبي معايا، وبعد لحظات انتبهت أن العيال كلها أخدت وبتاخد تاني عادي جدًا. انحشرت بسرعة في دايرة الصبيان اللي محتجزة عم فوزي وطلبت العيدية زيهم بالظبط، فبعد ما ادّى “هشام” لتالت مرة بقيت قدامه تمامًا؛ وقلت زيهم بالظبط: ‘العيدية يا عم فوزي’. إلا أن عم فوزي بصلي بصة اللص المَفقوس ورد عليا: ‘اجري يلا يا أسود أنت.. أنا لسة مديك’. ” *(4)

هذا المشهد يغلف روحي بتلك الغيمة التي كانت تحمل الأحلام وتظلل قلوب الصغار في انتظار غيث قادم لا محالة ثم تتبدد أمام واقع ظالم. عنصرية اللون والفقر وآثاره التي تكسر ظهر الفقير، تستغلّه، تتعالى عليه. هل ننحاز للاشتراكية لأننا لسنا أغنياء؟ لأننا لم نكن أبدا من صفوة المجتمع، خاصة في إطار مجتمع القبيلة الضيق. الآن عصر حديث يمكننا الهرب فيه من أصولنا في قوالب جاهزة وسط أسراب نمل لن تُرى بالعين المجردة! الماضي قنطرة توصل إلى الحاضر. رغم الفقر والعنصرية الوقتية، هناك سؤال يلحّ عليّ الآن بعد مرور كل تلك القرون، هل يعرف أحد منا اسم سيد من سادة قبيلة “فهم”؟.

أرتبك قليلا، أنا لا أعرف سوى حكايات وأشعار صعاليكها!

-يتبع-

________________

*(1) شاعر عامية مصري، ولديه قصيدة في ديوانه الأول “صعلوك” بعنوان “وطني حذائي”

*(2) من كتاب “شعر الصعاليك منهجه وخصائصه”، للدكتور عبد الحليم حفني ص 183.

*(3) ملخص من نفس المصدر السابق.

*(4) جزء من مقال “أسود لأول مرة” وسبق نشره على موقع كسرة الإلكتروني:

الرابط: http://kasra.co/%D8%A3%D8%B3%D9%88%D8%AF-%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84-%D9%85%D8%B1%D8%A9/

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

دعاء فتوح

1 Comment

  • مقال رائع .. ولو تتكرمي بوضع لائحة للقراءة في الادب العربي تكون مدخل .. عناوين رئيسية .. سيكون ذلك رائعا .. لانه بحر ..

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..