ترجمة علم نفس

ماهي الشوفينية؟

الـولاء للوطـن دائم، الـولاء للحكومة فقـط حيـن تستحقّه. مـارك تويـن

تاريخ الشوفينية:

يعود الموضوع للقرن الثّامن عشر، حين كان نيكولا شوفان/Nicolas Chauvin جنديّا في جيش نابليون بونابرت. فبالرغم من إصاباته الكثيرة والتّشوّهات التي أصيب بها في المعارك والحروب التي كانت أساسا بسبب أطماع النّظام، إلّا أنّه كان مدافعا شرسا عن نابليون و نظامه. كان يهاجم أيّ شخص يعارض الجمهوريّة الفرنسيّة حينذاك، بل ويتطاول عليه دون منطق أو عقلانيّة. ومن هنا اتّسمت ظاهرة العنجهيّة والدّفاع غير العقلاني عن أيّ نظام أو فكرة مع تحقير أيّ رأي مختلف بالـشوفينيّة/Chauvinism.  لكن السّؤال هنا أو مجموعة الأسئلة هي التالية: ما الذي يمكن أن يوصل إنسانا مُتضرّرا أو حتّى غير متضرّر -لكن غير مستفيد من أيّ نظام أو فكرة- للدّفاع عنه أو عنها بكلّ استماتة وعصبيّة؟ ما الذي يجعل شخصا يتفاخر بتحقيره للآخر ويتطرّف في الاحتقار لمجرّد الاختلاف؟ كيف “صُنَع” نيكولا شوفان؟

الشوفينية وعلم النفس الأخلاقي: 

في كتابه “العقل الصّالح /The Righteous Mind”، يشرح عالم النّفس الأخلاقيّ جوناثان هايدت/Jonathan Haidt لماذا يكون الشّخص شوفنيّا، أو ما مردّ ” الوطنيّة المفرطة” التي يدّعيها هؤلاء. دعونا نوضّح أنّ أصل الموضوع يعود للمرّة الأولى التي اختبر فيها الإنسان مفهوم “الخطر”، حين شعر أنّه محتاج لكيان ينضمّ له فيحسّسه بالأمان. وجد هذا الكيان في جماعة تسكن بجانبه لها نفس أهدافه، فكوّنوا “الوطن”. وطنٌ له بُعدٌ حضاري وثقافي وجغرافي. و مع بداية خلق الانتماء لمجموعة الوطن هذه، تُزرع فيه مفاهيم مثل الولاء و الخيانة والتي تترجم داخله كالآتي: “الولاء” يعني شعوره بمجموعة عريقة تحتضنه وتُحسّسه بالأمان والفخر. “الخيانة” تعني مجموعة تطرده وتُرجِعه لشعور القلق و الخوف. فلكي يضمن أنّ عقله أو فكره لا يخون فكرة الولاء، تجده قد بدأ يتغاضى عن أمور كان من الممكن أن يراها عكس اعتقاداته المنطقية تحت أيّة مسميّات مثل (الضرورة، المصلحة العليا، الظّروف الحاليّة، إلخ.. ). ورغم ذلك ولغاية هذه المرحلة، يكون مدركا أنّ ثمة أشياء خطأ لكنّه سيبرّر وإن على مضض.

أين تكمن خطورة المسألة؟

كما أسلفنا يبلغ الشّخص درجة من الولاء تجعله يتغاضى عم كلّ ما يراه خطأ في تقديره المنطقيّ للأمور، لكنّ خطورة الانتماء للمجموعة تظهر حين يكون انتماء مطلقا. ويصبح مجرّد التّفكير في الانفصال عن آراء المجموعة أو حتّى الاختلاف مسبّبا لاضطرابات وذعر شديد عند هذا الشّخص. حينها يتحوّل الانتماء للوطن لتقديس للنّظام! وهنا يمكن أن تُنسَف معايير الإنسان الأخلاقيّة، فيمكن أن يكذب، يغشّ ويقتل. يمكن أن يقوم بأيّ عمل ضدّ ضميره ومبادئه ويقتنع أنّه أخلاقيّ مئة بالمئة لحماية المجموعة. “وطني أفضل وطن” بالعنهجيّة والصّوت العالي و”أمّتي أعظم أمّة” بالغصب والكلام الكثير. وأيّ معارض لما ذُكر عدوٌّ يستحقّ الإبادة والدّمار. وهنا ليس الأمر مجرّد تبرير، لا. في هذه المرحلة، يصبح الشّخص مصدّقا ومعتقدا اعتقادا راسخا أنّه وحده على صواب، وحده فقط.

خاتمة:

أعتقد أنّ “نيكولا شوفان” لم يكن يتخيّل أبدا أنّه بحبّه المفرط لجيش نابليون بونابرت يرتكب خطأ. بالعكس تماما، لقد كان يتخيّل أنّ من يعارض هذا هو المخطئ، هو الذي ضدّ الوطن. وهذا هو جوهر مشكلة الإنسان الشّوفيني، أنّه يريد أن يعترف باحتماليّة خطئه. فالشّوفينيّ ببساطة لا يستطيع أن يقف مع نفسه ولو للحظات ليفكّر أو يشكّ في ما يفعله أو حتّى يراجع ما يؤمن به. مشكلته أنّه لا يرى إلّا ما يريد رؤيته ولا يسمع إلّا ما يريد سماعه، مشكلته أنّه شخص أعمى يصدّق أنّ البصر مرض!

فكرة وإعداد: كيرلس بهجت

إعادة صياغة: نهى سعداوي

  • الصّورة المرافقة: لوحة للرّسام الفرنسي هوراس فيرني/Horace Vernet بعنوان “معركة واجرام”، 1836

المصادر:

http://www.dailygood.org/story/475/can-patriotism-be-compassionate-/

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B4%D9%88%D9%81%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9

http://www.dailymail.co.uk/news/article-2073424/People-happiest-feel-like-belong-country.html?ito=feeds-newsxml

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

كيرلس بهجت

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..