ثقافة

ميلاد الصّور الفوتوغرافيّة المُلوّنة: سيرغي پروكودين-غورسكي

هنـاك أشياء، من الصعب علينـا أن نصدّقها؛ رغم أنها حصلت في الواقع. في سعينا خلف المستقبل، ننسى أن نتوقف قليلاً لكي نلقي نظرةً إلى الوراء، حيث صنع أجدادنا معجزاتٍ غير مسبوقة في عصرهم، والتي لم يكن لأحد أن يتوقع حدوثها.

امرأة ترتدي الثياب الأرمينيّة التقليدية، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م

أنا متأكدٌ، أنك الآن تنظر إلى هذه الصورة معتقدًا أنها غير أصليّة، أو على أقل تقدير، أنها نسخة معدّلة بالفوتوشوب عن الصورة الأصليّة القديمة. أجل، فمن الصعب أن تصدّق أن هذه الصورة تم التقاطها عام 1910م قبل الحرب العالميّة الأولى بألوان كهذه، وبهذه الجودة! لكن هذا ما فعله فعلاً المصوّر الفوتوغرافيّ الروسيّ پروكودين-غورسكي.

رجل وامرأة، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م في داغستان

قام غورسكي بتصوير الأماكن، والناس، والمباني باستخدام عدسة مخصصة لآلة تصوير مزوّدة بتقنية مُبتكرة. بتدعيم من القيصر نيقولاي الثاني، جال غورسكي في أنحاء الإمبراطوريّة ليقوم بعمل أوّل ألبوم صور ملوّنة في التاريخ.

سوخومي عاصمة أبخازيا، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م

الطريقة التي اتبعها غورسكي في التصوير هي أنه كان يقوم بتصوير الموضوع نفسه ثلاث صور متتالية. كل صورة منها تكون باستخدام مرشح ضوئي من الألوان الثلاثة: الأزرق، الأخضر، الأحمر. بعد ذلك، يتكون لديه ثلاث صور بيضاء سوداء بالأطياف الضوئية المذكورة. ثم يقوم بتحويل هذه الصور من الحالة “السالبة/Negative” إلى الحالة “الموجبة/Positive”، بعدها يقوم بعرض الصور الثلاث باستخدام “عارض الفيديو/Video Projector” الذي يعكس الصور من ثلاث كادرات على شاشة، في الأخير، تمتزج الصور الثلاث (الزرقاء، الخضراء، الحمراء) مكونةً صورة واحدة كاملة الألوان.

أطفال بالقرب من كنيسة، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1909م

بالطبع، لم يكن الأمر سهلا، حيث أنه كان يتوجب على من يتمّ تصويره ألا يتحرك حركةً واحدةً، حتى يلتقط غورسكي الصور الثّلاث بالوضعية ذاتها، كل صورة بطيف لوني مختلف.

الأديب الروسيّ ليف تولستوي، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1908م

من حسن الحظ، كان مصير هذه الصور جيد. فبعد قيام الثورة، استطاع غورسكي (ولا نعلم كيف حتى الآن!) أن يخرج من البلاد ومعه عشرون صندوقـًا تحتوي على أكثر من 1000 “لوح فوتوغرافي/Photographic plate”. بعد وفاة پروكودين-غورسكي عام 1948م، قام ابنه ببيع هذه الألواح الفوتوغرافية الثمينة إلى مكتبة الكونغرس، حيث تقبع هذه الألواح حتى الآن.

نساء داغستانيّات، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م

في يوم ما، خطر في بال شخص في مكتبة الكونغرس أن يقوم بعمل مسح ضوئي لهذه الصور، ثم جمعها باستخدام الفوتوشوب في صورة واحدة. بعد تمكنه من فعل ذلك، بُهت الجميع، بعدما تقلّصت هذه الفجوة الزمنية التي كانت تفصلنا عن أزمنة الأبيض والأسود، فرأينا للمرة الأولى هذه المشاهد القديمة وهي تصطبغ بالألوان بشكل مُبهر وآخاذ.

أطفال يهود مع معلمهم، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م في سمرقند

جدير بالذكر، أن كل أدوات التصوير التي كان يمتلكها غورسكي، قد اشتراها من حسابه الشخصيّ، حتى نفدت كلّ أموالـــــه: «عملي رائع، لكن من الجانب الآخر، إنه صعب للغاية، يحتاج للكثير من الصبر، والمعرفة، والخبرة، بالإضافة إلى الجهود المضنية.»

مدينة أرتوين، التقط هذه الصورة پروكودين-غورسكي عام 1910م

 «التقاط الصور يكون في ظروف متقلّبة وعادةً صعبة للغاية، بعد ذلك في الليل يكون العمل على تحميض الصور في المختبر الذي في عربة التنقل الخاصة بي. أحيانـًا يمتد العمل إلى ساعات متأخرة من الليل، خصوصـًا إذا كان كان الجو سيئـًا، فيكون من اللازم التقاط الصور مجددًا بإضاءة مختلفة لتكون واضحة، قبل أن نرحل إلى محطتنا التالية. بعد ذلك يكون علينا صنع نسخ من الصور السالبة لوضعها في الألبوم.»

التقطت هذه الصورة لپروكودين-غورسكي عند نهر كاروليتسخالي بالقرب من مدينة باطوم الجورجيّة

  • الصورة المرافقة Autophoto/صورة ذاتيّة لغورسكي صوّرها لنفسه سنة 1915.

المصادر:

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نور الدّين محمّد

دارسٌ للغة الروسيّة و آدابها، و مترجمٌ عنها.

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..