فنون

حركة “دادا” والثورة على تزييف الوعي

الصّورة المرافقة لوحة “Blindman’s Buff” للفنانين Vitaly Komar و Aleksandr Melami. وهي تجسّد مشهدا فيه فتاة مربوطة العينين تلعب مع ظابط لعبة Blindman’s Buff التي تشبه لعبة الغمّيضة، محاولة إيجاده.

يبدأ الموضوع سنة 1916، في مدينة زيورخ السّويسريّة، عندما اجتمعت مجموعة من المبدعين وكوّنوا حركة فنية ثوريّة مناهضة للحروب أطلقوا عليها اسم “دادا” (1916-1921). ورغم أنّ مؤسّسي “دادا” فنّانون، إلّا أنّها كانت حركة تحارب الفنّ الموجود حينها، لكنّها تحاربه بالفنّ أيضا. فقد كان مؤسّسو “دادا” يؤمنون أنّ الفنّ الذي هدفه جمال وإمتاع للعين فقط، فنٌّ مُخدّر وغير حقيقيّ. فالأنظمة القمعيّة تحاول أن توصل لشعوبها أنّ هدف الفنّ الوحيد هو الانشراح والضّحك في غياب تامّ لرسالة أو مغزى. قال الفنّان مارسيل جانكو، أحد مؤسّسي ” دادا “، في أوّل خطاب للحركة:

لقد فقدنا الثّقة في ثقافتنا، كلّ شيء يجب أن يُهدم، سنبدأ من جديد بعد أن نمحو كلّ شيء، و من هنا سيبدأ صدام المنطق، الرأي العام، التّعليم ، المؤسّسات، المتاحف، الذّوق الجيد، باختصار.. كلّ شيء قائم!”

أعاد الرّسّامان Komar وMelamid –صاحبا هذه اللّوحة- إحياء حركة “دادا ” في حركة فنّيّة أسّساها سنة 1972 واسمها “Sots Art” والتي كان هدفها استخدام الفنّ لإعادة الوعي للشّعوب. وهذا ما نراه في لوحة “Blindman’s Buff”. ترتدي الفتاة في اللوحة زيّا مدرسيّا وترمز للثّقافة والتّعليم الذي رُبِطت عيناه ولا يستطيع رؤية ما حوله رغم أنّ النوّر الذي يدخل من الشّبّاك الموجود يسار اللّوحة، يملأ الغرفة ويضيء كامل المشهد. أمّا الضّابط الذي يختبئ خلف الطّاولة، فلم يكتفي بأنّه ربط عيني الفتاة بل واختبأ وراء طاولة عليها طاقيّته العسطريّو وإناء معدنيّ في إشارة للأكل والوضع الاقتصاديّ. كما أنّ صورة القائد العسكري الرّوسي “ستالين” الموجودة في منتصف اللّوحة تحمل معانٍ كثيرة ولها دلالات عدّة.

سنة 1985، كتب مُبدعنا توفيق الحكيم كتابا عنوَنَه “عودة الوعي”. تحدّث فيه عن تجربته وكيف أنّه تحوّل عن تأييد عبد النّاصر والضّبّاط الأحرار وأصبح معارضا بل ومهاجما لنظامهم وسياستهم، والسّبب ببساطة: تزييفهم للوعي. فليس أسوأ من قمع الشّعوب بالقتل والسّجن إلّا تزييف وعيهم بالشّعارات والأكاذيب. يقول الحكيم في كتابه:

لم يكن فينا رجل يقول أو يستطيع أن يقول كفّوا عن ترديد كلمة النّصر هذه التي نطلقها بغير وعي ولا معنى على كلّ شيء يصادفنا. إنّ البلاد التي انتصرت فعلًا الانتصارات العسكرية أو العلميّة أو الحضاريّة لم تكثر هكذا ولم تُسرف في ترديد هذه الكلمة في كل موضع ومناسبة وغير مناسبة بلا حياء. أمّا والهزائم قد توالت فما هي دواعي الاستمرار فيما قد يثير السخرية، إلّا أن يكون هو الاطمئنان إلى أنّ الوعي العامّ مفقود؟ أ تُراه كان تحطيمًا مقصودًا لوعي مصر؟ إنّ الكتب المدرسيّة في أيدي الشّباب تضخّم أمجاد الثّورة تضخيمًا تشتمّ منه رائحة التّزييف والتملّق ، فتترك في ظلام اللاوعي صفحات مشرقة لعهود أخرى.

لوحة أخرى للرسّامين

لوحة أخرى للرسّامين

الثّورة الحقيقيّة حسب ” دادا “، Sots Art، توفيق الحكيم أو أيّ مبدع صادق أو فنّان حقيقي، بدايتُها الحقيقيّة هي الوعي. وأيّ كلام عن تغيير الشّعوب دون تغيير وعيها وتفكيرها، هو كلام عبثيّ لا جدوى منه. البداية دائما تكون بهدم الخرافة وبناء الوعي.

فكرة وإعداد: كيرلُس بهجت

إعادة صياغة: نهى سعداوي

المصادر:

هنا

هنا

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

كيرلس بهجت

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..