ترجمة سياسة و مجتمع

القوة الناعمة .. لماذا تخاف السّلطة الإبداع؟

تحت مسمّيات كثيرة، تمّ سجن وقتل الكثير جدا من المبدعين على مدار التاريخ. تحت مُسمّى الحرام، “قلّة الأدب”، خيانة الوطن، خدش الحياء.. وغيرها تمّ منع وقمع الفنّانين والأدباء، والتّهمة كانت دائما الخروج عن المألوف والمعتاد. لماذا؟! ما الذي يجعل نظاما لديه جيوش وإعلام ومؤسّسات يخاف رسما أو مجرّد كتاب أو حتّى منشورا على فيسبوك مثلا؟

في فيلمة الوثائقي جلين جولد: المسيرة الروسية/Glenn Gould: The Russian Journey يوضّح المخرج يوسِف فايجينبيرج/ Yosif Feyginberg كيف أنّ مقطوعة موسيقية كانت عاملا مهما بالنسبة للسوفييت لفهم و حبّ الحضارة الأوروبية الأمريكية. يبدأ الموضوع سنة 1957 حين سافر الفنان الكندي جلين جولد إلى الأتحاد السوفييتي ليقدم عرضا موسيقيا في حفل هناك وكيف استطاع بعزفه أن يغيّر تفكير ناس كُثر. فالمخرج فاجينبيرج بعد حوالي 50 سنة يتحدّث عن تأثير هذه الحفلة. فيصف ضخامة عدد الجمهور الذي حضر الحفلة وأنّ كلّ تعليقاتهم كانت “كيف كانوا محرومين من هذا الجمال والروعة.” حتّى أنّ هناك تعليقا يقول أنّ معزوفة جلين جولد كانت خطوة أولى لهدم جدار برلين. وكانت مدخلا مهمّا للشّعب السوفييتي لتغيير أفكاره والتّفكير في ثقافة مختلفة.

سنة 1990، و لأوّل مرّة، يخرج علينا المفكّر الكبير جوزيف ناي بمصطلح ” القوة الناعمة “. وفي كتابه الصّادر سنة 2004 بعنوان ” القوة الناعمة : وسيلة النجاح في عالم السياسة/Soft Power: The Means to Success in World Politics”، يحاول أن يستفيض في شرح أهميّة القوة الناعمة في التأثير على ثقافة وفكر الشّعوب. حسب كلام ناي، التغيير القادم، هو تغيير قائم بالأساس على الفنّ والإبداع. ومهمّة الأنظمة الديكتاتورية -سواء كانت دينية أو عسكرية- هي بالأساس منع أيّ وسائل إبداع بين شعوبها حتّى وإن لم يهاجمها هذا الإبداع وينتقدها. فالمشكلة ليست في المحتوى، إنّما في فكرة الإبداع ذاتها أو التّفكير خارج إطار المألوف والمعتاد عموما.

السبب الأساسي للخوف من الإبداع هو إدراك السلطة لقوته وتأثيره على كيان الشّخص المبدع ومن حوله. ففي اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أيّ جديد او مختلف، يدرك أنّ ثمّة عالم كبير جدّا يجهله تماما. عالم ممتع، يضحك، يخلق نوعا جديدا من السّعادة والنشوة الفكرية، عالما جميلا! فيبدأ بالتساؤل عن مداخل هذا العالم، يبدأ في إدراك مأساوية العالم الواقعي الذي يعيش فيه، يبدأ في التّمرّد ويفكّر في التغيير. الخوف من الإبداع، عائد لتأكّد السلطة من هشاشة وحقارة الواقع الذي تقدّمه لعموم الناس.

في النهاية، حين سُئل الفيلسوف الصيني لاو تسزي عن معنى القوّة أجاب: “لا يوجد في الكون مادة أنعم وأضعف من الماء. وبالرغم من ذلك فهو قادر على تفتيت أكثر المواد صلابة!”. فالقوة الحقيقية ليست أبدا في العنف والتخويف أو حتّى “السّلاح مع من”، القوّة الحقيقيّة في الإبداع و”مهجة الناس مع من”.

فكرة وإعداد: كيرلس بهجت

إعادة صياغة: نهى سعداوي

المصادر:

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

كيرلس بهجت

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..