عقوق باهر

جدتي كانت سحابة وأبي دفق سيول. غير أنّ قلبي جفّ في المدينة وتلاشى منّي عكّاز الطّريق. لست أشكو، لست أضجر غير أنّي مثل لوح من رخام أسمر تلمع صفحة خدّي في الشّموس وتمرّ الرّيح فوقي والبذور. ثمّ تنمو في تراب آخر فأنا صَلد شحيح. رغم أنّ أمّي لأبي كانت سحابة وأبي دفق سيول.

كنت قلت لخيالي ذات يوم، إنّ لي في القول قولا فاتبعني. نجمع الحلم في كراريس كبيرة ونقول للصّغار جنحوا والشهب بعض المغنم.  سرنا عدوًا في التّراث وفي الأماني.. وأدركنا مفاتيح البناء والمعاني، وربطنا خيلنا في الجملة الفعليّة. وأعدمنا النواسخ. لم يأتني الشّعر ببابي لكنّي لمَّا طرقته سلّم منحنيا وقال نحن والخيال واحد لا يقسم فاجعل الوزن زيادة في الخير ليس إلّا وانطلقْ.. وانطلقنا، حتى اصطدمنا بالمدينة. 

قال قلبي المفعم، هذه بعض محطّة وأناس عابرون. كيف لمن يبني في مجاريها قصيد؟ ثم طُفنا بالمواضع والمناصب والنصوص. هذه ليست مدينة. بعض سوق ممكنة ونساء ممغلات وذكور بخصي بالغة. وفراغات كثيرة في المشاعر. ومباءات كثيرة للجمال.

في الزواريب البهيجة، يمكن حصر التّخيل في “تعشعيش” الخروف والصّديقة، وإضافات رشيقة في فناجيل المقاهي ولباس الساعيات. ركبة لامعة ونهد نافر في مخنقه وكلام فاخر في تقنيات الاستعاضة عن الفروج بالحلوق. ثمّ قصيد مثقل بالتّبغ يُبنى بنصف اللّيل من لعاب مرّ وجملة فعليّة فاقدة للخبر.

هذا الفراغ حوَّلني رخاما. وها أنا أكتبني أمام التّلفزة المدبلجة. أنثى العنكبوت الأرملة تنسج منسجها وتنتظر الفَراش. الأرملة السوداء تنتظر الفُراش. في ردهة التّصوير وقع. وفي صورة أخرى كان هيكلا. و الأرملة السوداء زاد وزنها وتنتظر الفَراش.

تلك الأرملة.. هذه المدينة والرّعب يسري في دمي. أين يكون سيلي يا أبي بعد أن صرت رخاما باردا رغم أن جدّتي كانت سحابة؟  أخرج منّي علي وأسدّ على خيالي في زاوية وأُطلِق النّار عليه. وأخرج للنّاس، أغرس الدّفلى وأغنّي. ربّما يدفق ماء الحصان في يدي. فهنا في محطّة الأرملة السوداء ، كلما مات شهيد نبتت عاهرة تستحلب غرمول الحصان حتّى تصير قيمة في ذاتها. ويوزّع الأحصنة من خلفها شهادات الكرامة.

هنا، خبز كثير ومَنِيُّ.. وموات في القصيد. هنا، مرّت الريح على صفحتي فانتهى على شفتي كلام. هنا، جفّ لساني. هنا، قلت كفى. جدّتي كانت سحابة. وأنا انتهيت في الرّخام.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نور الدين العلوي

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..