سياسة و مجتمع

منهجية الثورة على الذات المتخلفة -1- منهجية إفراغ الكوب

منهجية-إفراغ-الكأس

استراتيجية أو منهجية إفراغ الكوب أو حرث وتنظيف الأرض

تقوم هذه المنهجية على فكرة أولية بسيطة نمثّلها كما يلي: لا يمكن إضافة ماء جديد نقي صافي على كوب مليئة بماء عكر قديم، أي لابد من إفراغ الكوب من الماء أو جزء منه حتّى نتمكّن من إضافة الماء الجديد النقي. كما لا يمكن للفلّاح أن يزرع أرضا قديمة بور قبل حرثها وتقليبها وتنظيفها من المخلّفات القديمة والأحجار وتعريضها للشّمس والهواء. فلو نثرنا البذور الجديدة في أرض لم يتمّ حرثها وتقليبها، لما أنتشت البذور ونمت ولو سقيناها بالماء. وإن نبتت، فلن تثمر بدون تربة خصبة وبيئة مناسبة.

شعار التوحيد “لا إله إلا الله” يرسم لنا هذه المنهجية (الطّريقة) للوصول إلى الإيمان اليقيني بالله سبحانه وتعالى. وذلك بنفي الآلهة المزيفة أو الأوثان والتحرر منها ومن مفاهيمها وتعاليمها وأساطيرها وأوهامها أوّلا، (التفريغ) ومن ثمّ امتلاء عقولنا وأنفسنا بالله الحقيقي خالق الكون والإنسان (الامتلاء)، أي نفي النفي، يخلي ويفتح الطريق للإيجاب. في علم الرياضيات سلب السلب يساوي إيجاب:

سالب ضرب سالب = موجب

أمّا

سالب ضرب موجب = سالب

فإذا تفاعلت أفكارنا الجديدة مع أفكارنا القديمة قبل التخلص من الأخيرة وتفريغها تماما من عقولنا فإنّ النتيجة ستكون سلبية، أي تطرد الأفكار القديمة الأفكار الجديدة وتهزمها لأنّ القديمة أكثر تجذّرا في عقولنا ونفوسنا وحتى في لاوعينا المعتم. أفكارنا القديمة أكثر تمكّنا منّا. نحن مبرمجون عليها بشكل لاواعي وهي تتحكّم في سلوكنا عفويا وآليا ولاشعوريا. تبنّي الأفكار الجديدة قبل التّخلص من القديمة نهائيا يجعلها -أي الجديدة- سطحيّة في دماغنا وقابلة للتّبخّر مع حرارة الأحداث والمواقف. لتبقى العادات والمألوفات القديمة هي الأقوى، وهي التي تحكم سلوكنا ومواقفنا فعليا وعفويا ولا شعوريا. لذلك كثيرا ما نشهد هذا التناقض المتكرّر يوميّا في حياتنا حيث ندّعي الأفكار الجديدة أو الحديثة لكنّنا نمارس فعليا وعفويا عاداتنا وأفكارنا القديمة لأننا نتوهّم أنّنا بمجرّد قناعتنا بالحديث، قد تخلّصنا من القديم وهو أبدا غير صحيح! لا بد من إفراغ كوبنا من القديم أوّلا حتى نملؤه بالجديد، فلا يمكن أبدا الجمع بين الإثنين!

مثلا، كلّنا نرفض التّصرف بغضب وانفعال ونرغب أن نكون هادئين بل ندّعي الهدوء في تصرّفاتنا ومع فكرة التحكم بالغضب إلّا أنّ أغلبنا يتصرّف أمام أي استفزاز بغضب أو انفعال، لأنّنا تربّينا ونشأنا وتكوّنا وتبرمجنا على الغضب والانفعال لتاريخ طويل. فلا يكفي أبدا اقتناعنا بأهميّة الهدوء والسّيطرة على النّفس حتّى نتخلّص من خصلة الغضب في تصرّفاتنا. وكذا عادات كثيرة في حياتنا مثل قمع أطفالنا وقمع الرأي الآخر وعدم تحمّلنا نقد الآخرين وعدم الالتزام بالمواعيد واحترام الزّمن وحبّ المظاهر و”الفشخرة” والغيبة والنّميمة ونفاق الآخرين والكذب وادّعاء ما ليس فينا والفوضى وعدم التخطيط والتنظيم والاتّكالية والسلبيّة والإخفاق في التّواصل مع الآخر وعدم الثّقة في النّفس ومرض التّورّم الذاتي والتّبرير لأنفسنا والنّقد اللّاذع للآخرين وفشل العلاقة مع الزّوج وعدم القدرة على التّنازل ومشكلات العمل المهنيّ والضّغوط والتّوتر والقلق والاكتئاب والانسحاب من الحياة.

السّؤال الآن: كيف نتخلّص من أمراضنا وعاداتنا القديمة السّيئة؟ أي كيف نفرّغ كوبنا من الماء العكر القديم؟ كيف نحرث تربتنا المتشقّقة الجافّة وننظفّها ونهوّئها ونستنبت فيها البذور الجديدة زرعا طيبا جميلا أصله ثابت وفروعه في السّماء؟

التفريغ بالتفكيك

لا يمكن أن نعرف كيف نتخلّص من عادة سيّئة أو نمط سلوك مزعج موروث إلّا إذا عرفنا كيف تشكّلت وتكوّنت هذه العادة أو هذا النّمط المسلكي وإلّا إذا عرفنا كيف تمكّنت منّا وأًبحت تتحكّم بسلوكنا عفويّا أو آليا أو لاشعوريا. إنّ أي مكنة أو أيّ تركيبة لها مقوّماتها الأوليّة أو عناصرها لا يمكن أن نعرف كيف نفكّها أو نحلّها أو نفكّكها إلى عناصرها  الخربة أو المعطّلة إلّا إذا كنّا نعرف كيف تركّبت، وماهي الخطوات التي تمّت وفقها عملية التركيب قطعة قطعة، جزء جزء، عزقة عزقة. أي أنّه لابدّ لنا من تفكيك مركّب أو عادة إلى عناصره الأولية وفحصه ورمي أو تفريغ أنفسنا وعقلنا مما هو غير صالح أو غير نافع منه ولو احتاج الأمر إلى التّخلص من كلّ عناصره للمركّب  كما يرمي الميكانيكي كلّ محرّك السيّارة ويبدّله بمحرّك آخر جديد تماما.

لا يمكن للميكانيكي تركيب المحرّك الجديد المتاح والمتوفّر لديه أو الذي يعرفه ويعرف مواصفاته على الأقل إلّا بعد تفكيك القديم واكتشاف خرابه ومن ثمّ التّخلص منه تماما وهذا يسمّى تغييرا كليا نوعيا جذريا، أما التغيير الإصلاحي فهو تغيير عنصر معطّل أو مخرّب أو أكثر من عناصر المركّب (العادة) القديم:

تغيير المحرك (المركب) هو تغيير نوعي جذري

تغيير عنصر أو عناصر معطلة منه هو تغيير إصلاحي

ينطبق نفس الأمر على أي نمط سلوكي ثقافي اجتماعي أو فردي أو نمط فكري سائد. على سبيل المثال، إنّ الأسلوب الخطابي الدّعوي التبشيريّ الوعظيّ التحريضيّ لتغيير أنفسنا وعاداتنا وأنماط سلوكنا أسلوب خاطئ وفاشل على طريقة “يجب أن نفعل كذا وكذا” و”ينبغي علينا أن نفعل كذا وكذا”، ترغيبا وتحريضا. كما أنّ أسلوب الترهيب والتخويف من كذا وكذا الذي نستعمله في طرق التربية المنزلية والدينية والمهنية لاينفع شيئا! قد يضبطنا قليلا ولبعض الوقت إلّا أنّ هذا الأسلوب لا يغيّرنا من الدّاخل من أعماقنا، من عقولنا وقلوبنا وأنفسنا. هذا الأسلوب يشحننا ويحرّضنا عاطفيا  ولكنه لا يمنحنا الوعي والإدراك الذي هو الشرط الأوّلي والأساسي لأيّ تغيير حقيقي، لذلك دعانا الله لاتّباع الحكمة قبل الموعظة في الدّعوة إليه وحتى الموعظة وصفها بأن تكون حسنة وليس ترهيبا. والحكمة هي المعرفة بحكمة الأشياء والظواهر أي قوانينها وسننها التي تجري وتتحرّك وتتشكّل وفقها وليس اعتباطا وخبطات عشوائية قد تصيب وقد تخطىء.

كيف، إذن، نفكّك عادات وأنماط سلوكنا الضارة؟ وكيف نتخلّص منها لصالح أنماط سلوك جديدة وحديثة تتّفق وإنسانيتنا وحاجاتنا وتطلّعاتنا لحياة أرقى وأجمل وأفضل؟ ولمّا كانت عادات وأنماط سلوك الإنسان السائدة جزء من بنيته وتكوينه الثقافي الذي يتحرك في فضاءه ويتحكّم في حياته عموما، لابدّ لنا من فهم ماهي الثقافة، وكيف تتحكّم في سلوكنا وحياتنا ومن ثمّ كيف نغيّر ثقافتنا ونطوّرها.

-يتبع-

الجزء الثاني

الجزء الثالث

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

موفق زريق

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..