سياسة و مجتمع

منهجية الثورة على الذات المتخلفة -2- كيف تتشكّل الثقافة ؟

الثقافة-أجيم-سولاج

اقرأ الجزء الأول: منهجية إفراغ الكوب

الثقافة

الثقافة ليست  الفكر أو التراث وضعيا كان أو دينيا أو فقهيا. وليست  العلم أو المفاهيم أو مبادىء الأخلاق أو التعريفات أو الدراسات والأبحاث الأكاديمية سواء كانت أدبيه أو اجتماعية.  وليست  أيضا تعبيرا معنويا دونا عن السلوك المادي والاجتماعي وعلاقاته وبناه، بل هي:

كل ما استقر أو وقر في قلوب وعقول و نفوس غالبيّة المجتمع من كلّ هذه المكونات سواء كانت دينية أو اجتماعية أو كانت أعرافا أو عادات أو مسلمات أو معتقدات أو فنونا أو أخلاقا في شكلها أو نمطها المعنوي أو المادي. وهي تشكّل القيم والدّوافع الموجّهة للسّلوك والمواقف وردود الأفعال.

لذلك يعرّفها المتخصّصون في نظرية الثقافة بأنّها طريق متميّز لحياة الجماعة ونمط متكامل لحياة أفرادها. لذا فالثقافة لا توجد إلّا بوجود المجتمع والمجتمع لايقوم ويبقى إلّا بالثقافة، لأنّها تمدّ المجتمع بالأدوات اللازمة لاطراد الحياة فيه. ولا فرق في ذلك بين الثقافات البدائية والحديثة، فالأسلوب الذي يسير عليه الناس في حياتهم إنّما يعتمد ويتميّز وفق طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع.  

روبرت بيرستد الذي ظهر في أول الستينات يقدم لنا أبسط تعريف للثقافة وأكثره وضوحا حيث يعرّفها بقوله، “إنّ الثقافة هي ذلك المركب الذي يتألف من كلّ ما نفكّر فيه و نقوم بعمله أو نتملّكه كأعضاء في المجتمع”.[1] يبرز هذا التعريف الصيغة التأليفية للثقافة، لتصبح ظاهرة مركّبة تتكوّن من عناصر بعضها فكري وبعضها سلوكي وبعضها مادّي.

إذا كانت الثقافة السائدة في مجتمعنا تنطوي على القيم والدوافع الراسخة والمألوفة الموجهة للسلوك الفردي والجمعي فإنه -بالضرورة- أي محاولة للتغيير الحقيقي في المجتمع لا يمكن أن تتمّ وتنجح إلّا عبر تغيير هذه القيم والدوافع والأنماط والنّماذج المتخلفة والمتحجرة، المتحكّمة آليا ولاشعوريا في سلوك أفراده ومكوناته الفرعية والجمعية العامة. أي باختصار تغيير ثقافته السائدة لأنّ هذا هو المدخل الوحيد لتغيير مسلكيّاته وأنماطه السائدة معنويا واجتماعيا وماديا. (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد:11]، والثقافة المتخلّفة هي بالضبط ما استقر في النّفس من عادات وأخلاق وموروثات متحجّرة ومتخلّفة عبر تاريخ طويل. (فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) [الحديد:16]

كيف تتشكل ثقافة الانسان؟

كيف تتشكل ثقافة الانسان؟

كيف تتشكّل العادات والتقاليد والمألوفات وأنماط السلوك العفوية؟

حين نعرف كيف تتشكل هذه الأنماط والنماذج نعرف كيف نغيرها أو نصلحها أو نتخلّص منها. أيّ نمط سلوكي في أصله فكرة لحلّ مشكلة تمّ الاقتناع بها، ثمّ تمّ الاعتقاد والإيمان بها فتولّدت إرادة  محرّكة ودافعة لتطبيقها والعمل بها في زمن معيّن وظروف معيّنة وبيئة مجتمعيّة وثقافيّة معيّنة، أي أنّها حلّ ما لمشكلة ما في ظرف ما! وعندما اطّرد السّلوك أي تكرّر إيقاعه وفق هذه الفكرة عبر زمن طويل -سنوات أو عقود أو قرون- تصبح عادة أو تقليدا أو مألوفا يمارسه الإنسان آليا أو عفويّا بدون تفكير أي تصبح جزءا من تكوين الإنسان اللاواعي أو اللاشعوري يتحكّم في سلوكه بدون وعي أو تفكير أو تخطيط وهو ما يُسمّى الآن “البرمجة العصبية أو النفسية”.

النمط السلوكي الثقافي إذن هو بالأصل فكرة وقرت في النفس أو العقل اللّاواعي نتيجة تكرار ممارستها عبر زمن طويل. ويندرج تحته العادات والتقاليد والمألوفات والموروثات القديمة وردود الفعل الآلية والاستجابات العفوية اللاواعية التي تتحكّم في أغلب السّلوك الإنساني ويدخل تحتها تفاصيل سلوك كثيرة موروثة في طريقة الحياة والعلاقات الاجتماعية وأنماط الغذاء والعواطف والتربية وطريقة الحوار والاقتصاديات والأخلاقيات والحلال والحرام والأديان والمعروف والمنكر الخ..  وهذه الأنماط تختلف من بيئة لأخرى ومن مجتمع لآخر ومن إنسان لآخر.

أصلُ أيّ عادة، فكرة لحلّ مشكلة تبرمجت وفقها النفس الإنسانية ولمّا كان تطوّر الحياة لا يتوقّف -أي أنّ مشكلات جديدة تظهر وتحتاج لحلول جديدة تتحوّل إلى عادات جديدة مع الزمن- فإنّ العادات السّابقة القديمة تتحوّل إلى عقبة وغير صالحة للمشكلات الجديدة ولابدّ من تغييرها والتخلص منها إلّا أنّها -أي هذه العادات- ستقاوِم وتمانِع باعتبارها عرفا وقيما مجتمعية ألفتها الناس وارتاحت لها رغم أنّها لم تعد مناسبة بل ضارّة ومعيقة للتطوّر واحتياجات الناس الجديدة والفكر والوعي الجديد. وهنا يبدأ الصراع بين القديم والجديد المطلوب. بين الماضي المعيق الضيق وبين المستقبل المنشود.

ومن هذا الصّراع والتناقض بين القديم والجديد، بين الماضي والمستقبل في داخل كلّ إنسان فرد وفي قلب المجتمع يتولّد الشعور بالمشكلة والشّكوى منها والألم من تفاقمها والقلق من استمرارها وضغوطها ومن ثمّ البحث عن مخرج لها أو حلّ يحرّرنا منها وينقلنا إلى صعيد إنساني أفضل وأكثر حريّة وإشباعا وإحساسا بالامتلاء والرضى عن الواقع. التجدّد للأفضل سنّة الله في الإنسان، وتاريخه دليل على ذلك، إلّا أنّ القديم الموروث والمألوف يقاوم الجديد والحديث في داخل الإنسان وفي داخل المجتمع حيث الصراع بينهما لايتوقّف. ففي داخل النفس الإنسانية، قوى تشدّها للعادات والتقاليد القديمة، وحاجات جديدة يفرضها التطوّر نحو المستقبل الأفضل. وكذلك في المجتمع، هناك قوى اجتماعية لها مصلحة في تأبيد الواقع القائم والموروث القديم وقوى أخرى تريد التّجديد والتطوّر بحكم وعيها الجديد وحاجاتها المتجددة.

إنّ الفكرة التي كانت حلّا لمشكلة سابقة والتي أصبحت تقليدا وعادة لم تعد صالحة أن تكون حلّا لمشكلة جديدة  ومن هنا تنشأ الحاجة لحلّ جديد أي فكرة جديدة لحلّ المشكلة وتجاوزها إلّا أنّ العادة القديمة تقاوم وتمانع أمام الفكرة الجديدة. وينشأ الصّراع والذي لا حلّ له إلّا بالتحرر والتخلص من العادة القديمة أو من أغلب عناصرها لصالح الفكرة الجديدة والحلّ الجديد الذي سيتحول مع الزمن إلى عادة جديدة، تصبح قديمة وهكذا دواليك. إلّا أنّ أغلب أو كلّ عاداتنا وأنماطنا تشرّبناها في طفولتنا بشكل لاشعوري ولاواعي من بيئتنا الاجتماعية وأسرنا وأهلنا ومدارسنا وشوارعنا أي من مجتمعنا. ونحن لم نخترها، بل تشكّلنا وتكوّنا وتبرمجنا وفقها ونتصرّف محكومين بها، حين نتصرّف عفويا وعلى سجيتن، أي أننا مبرمجون منذ طفولتنا. وهذه البرمجة أصبحت وكأنّها من فطرتنا، أي هي نحن ونحن هي، أي هي هويتنا! فالـ “نحن” هي مجمل عاداتنا وتقاليدنا واستجاباتنا وأنماط سلوكنا المعدّة سلفا والتي نتصرّف وفقها بدون تصنّع أو تكلّف أو تخطيط مدروس. وإذا كان لا يمكن إحلال نمط سلوك جديد إلّا بالتخلص من القديم أو تعديله -أو لا يمكن تبنّي برمجة جديدة إلّا بالتخلص من البرمجة القديمة أو بتعديلها- فيصبح السؤال هنا:

كيف نتخلص أو نعدّل برمجتنا القديمة قبل تبني الجديد؟

من اللاوعي الى الوعي (من الظلام الى النور)

تتّفق كلّ علوم وأبحاث تكوين الشخصية الإنسانية أنّ الهيكل الأساسي لشخصية الإنسان تتبلور ملامحه الأساسية في مرحلة الطفولة والمراهقة حتّى سنّ السّادسة عشر. يتشرّب فيها الطّفل لاشعوريّا ثقافة وأنماط سلوك أسرته أو والديه أوّلا وبشكل رئيسي وخصوصا إذا كانت التربية تتمّ بطريقة تعليبيّة تدجينيّة قمعيّة لا مساحة فيها للحوار والتّوعية الحرّة التّفاعلية أيّ أنّ الأسرة تصبّ الطّفل صبّا في قوالبها الجامدة والمسبقة الصّنع بل المقدّسة من منظورها والتي تطابق ماهو سائد في المجتمع من ثقافات وأنماط سلوك على طريقة “افعل كذا ولا تفعل كذا.. حرام وحلال .. جنة ونار الخ..” أي أنّ الطفل يخضع لوابل من الأوامر والنّواهي والتّرهيب والترغيب والتدجين والتعليب بدون أي مساحة تترك له ليفقه ويدرك ما يطلب منه.

يكبر الطفل ويصبح شابا وهو لا يعرف عن نفسه وعن ثقافته وعن شخصيّته شيئا بل إنّه “هكذا وحسب”. لم يتعوّد أن يسأل أو يفكر أو يناقش أو يدرك، خصوصا وأنّ ثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا ممهورة بختم الدّين -والدّين منها براء- أي أنّها تتلبّس لباس القداسة والديمومة المطلقة. ومع تفتّح وعيه والدخول في معترك الحياة وما يواجهه من تحديات ومشكلات وآمال وآلام وفشل وإخفاق هنا وهنا، ومايقوم به من مقارنات وحوارات مع ثقافات أخرى وما يطّلع عليه من أفكار جديدة وحديثة، تبدأ رحلة التساؤل والسؤال والبحث والمراجعة والنقد والفهم والإدراك الجديد الذي يتعارض ويتناقض مع ماهو مستقرّ ومالوف ومبرمج لديه. وتولد مقدّمات رحلة طويلة من الصراع في نفسه بين الماضي المبرمج عليه وعطالات التقليد، وبين الرغبه والإرادة في مستقبل أفضل واكثر تحررا وإنسانية.

هنا فقط، نبدأ في الخطوة الأولى للتغيير: الإحساس بأنني لست على مايرام، الاحساس بالملل والتكرار، تأزّم مشكلات الحياة في الدراسة أو العمل أو الأسرة أو الزواج، الإحساس بالألم من نمط حياتي، الإحساس بضرورة التغيير، الإحساس بأنّ هناك نمط حياة أفضل وأجمل وعادات وتقاليد أفضل، الإحساس برغبة عارمة في التغيير ونشوء إرادة قوية للتغيير والتخلّص من هذا الصراع الذي يضطرم ويفور وأحترق به في داخلي، صراع بين واقع يؤلمني ويمرضني وبين تصور جميل لحياة أكثر إنسانية وأكثر جمالا.

المراجع:

[1] نظرية الثقافة –عالم المعرفة – مجموعة مؤلفين – العدد 223

اقرأ الجزء الأول: منهجية إفراغ الكوب

-يتبع-

الجزء الثالث: الخطوات الخمسة للتغيير نحو الأفضل

  • ملاحظة: الصورة المرافقة للرسام الألباني أجيم سولاج/Agim Sulaj

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

موفق زريق

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..