المجلّة

أوطان لا تغادرنا

قرطاس

“لا يترك الواحد منّا وطنه ما لم يقم الوطن بذلك أوّلا.. ثمة أوطان تغادرنا رغما عنَّا وعنها، فلا نملك إلّا أن نلهث خلفها..”*

الكتابة وطن متجاوز يخترق المكان والزمان، وطن مثاليّ نلهث خلفه لنتجاوز حقيقة هشاشتنا ومحدودية وقتنا وقدرتنا. جئت إلى هنا –قرطاس- من أرض بعيدة تجاوزتني أو تجاوزتها لا أدري. منذ أعوام قليلة مضت، اعتقدت أنّ أداة نشر الكلمة أهمّ من قيمة الكلمة. يمر الوقت، فتضيع ملامحي وسط المجموع وتختلط أفكاري وكلماتي. تطردنا الأوطان عندما تحاول طمس هويتنا وفرادتنا. فالبشر اجتماعيون بفطرتهم ولكنّهم أيضا مميّزون ببصمات مفردة تميّز كلّ فرد منهم على حدا، حتى وإن انتمى لمجموع ما. ميزة تحسب ل”هنا” أن لي فرادتي وأنني لا أتماهى مع المجموع ولا تمحى بصمتي إن وجدت.

مر عام لم أكتب فيه الكثير ولم أعبّر جيدا عن كلّ ما أفكّر به، كتبت في أكثر من موقع، وكلّ موقع كان بيت ووطن حقيقي للكلمة والمعنى. ومن أكثر المواقع فهما لقيمة اللّغة وأهميّة صحتها كان –قرطاس- لأنني أكتب ولا أنتبه لغير المعنى الذي أريد، تخرج الكلمات أحيانا مشوّهة نحويا وإملائيا. هنا لا أحتاج إلى الخوف لأنّ أسرتي التونسية الجديدة المتجسدة في “نهى سعداوي” تدقّق في المعنى والشّكل ولا تفرط في القواعد النحوية البديهية. أسرة كمّلت ضعفي وقوّت قدرتي على التّعبير، وساندت غرابتي بودّ وإنسانية رغم بعد المسافة وعدم التقاء الوجوه.

نحن لا نعرف من ملامح بعضنا البعض إلا صورا إلكترونية تعكس زوايا أحادية من حقائقنا، ولكنّنا نقف على أرض وطن لا يفرق بيننا بسبب اختلاف أشكالنا أو خلفيّتنا الاجتماعية/ الثقافية/ الدينية. فالكلمة وطن لا ينتقدنا ولا يتعالى علينا، وطن رحب نترك فيه العنان لجنوننا الذي يؤازر عقولنا. لا أحتاج هنا إلى صور مزيفة أو مقاييس قبول شكلية. فقط أحتاج إلى بعض الصدق والمحبة الخالصة لأتمي دون عناء.

____________

*حجي جابر من رواية “مرسى فاطمة”.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

دعاء فتوح

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..