أدب أدب وثقافة ثقافة

مؤسسة الأمل

الأمل

انتصف الليل وهي تجلس في الشرفة ليس في الشارع المقابل لها سوى عمود الإنارة العمومي والقمر أو هي لا ترى سواهما لأنّها جالسة تتلهّى بقراءة كتاب حول تاريخ الأندلس إبان حكم المسلمين. توقفت فجأة عن القراءة. لقد سمعت رنين هاتفها. الهاتف مقلوب وهي تسمع الرنين فقط.

“هل يكون هو؟”

إذا كان هو ستتظاهر بأنها لم تشتق إليه. ستعاتبه، ستلومه، بل ستوبخه. ستشتمه إن لزم الأمر. ستفعل وستفعل و…

“إذا لم يكون هو؟”

من يكون إذن؟ من تذكّر رقم هاتفها المنسي الذي يختنق من مذكّرات الرجال تحت الآلاف من أرقام النساء الأخريات. ثمّ تساءلت: لماذا قد أنتظر مكالمة من رجل؟ ربما هي إحدى صديقاتي أو قريباتي تتّصل لتطمئنّ علي، لكن ذلك لا يحدث أبدا.

مازال الهاتف يرن . حيرتها تتواصل . يدها تمتد إليه وترتد آلاف المرات.الرنين لم ينقطع .يبدو ان المتصل مصر على مهاتفها .القت الكتاب و اخذت الهاتف بين يديها .امعنت النظر في الشاشة : إنه رقم هاتف قار غير مسجل عندها …ترددت كثيرا، وأخيرا أجابت:

– ألو مرحبا

– مرحبا. الآنسة وفاء؟

– أجل. من حضرتك؟

– نحن ” مؤسسة الأمل ” .لقد قبلنا طباعة مجموعتك القصصية. نتّصل لنطلب منك القدوم غدا على الساعة العاشرة صباحا لنتمّ الإجراءات اللازمة.

– …

– ألو

– أجل .. أجل.. أسمعك. سأكون غدا في الموعد. شكرا.. شكرا.

– حسنا إلى اللقاء.

– في أمان الله.

لم تصدّق أنّهم قبلوا طباعة مجموعتها القصصية. فقد اعتراها اليأس. منذ سنتين وهي تنتظر هذه المكالمة، لكنّها أيضا تنتظر المكالمة التي لم تيأس منها أبدا.

انتابتها عدة خواطر. شردت بعيدا، وقفت في الشرفة و نظرت إلى الشارع: هناك أعمدة كهرباء أخرى بالإضافة إلى ذلك العمود الماثل أمام شرفتها. هذه الأعمدة ذات إنارة مختلفة. بدا الشارع جميلا هادئا. النور يطوّقه من كلّ جانب. البيوت تتخاطب في صمت وتتشارك في احتواء الناس داخلها وتقيهم برد الشتاء. وفاء مازلت شاردة. فجأة، انطفأ العمود المقابل لها، لكنها ترى الشارع الآن أوضح. لقد كان نوره السّاطع يعميها عن رؤية الحي كما ينبغي. لامت نفسها كثيرا لأنّها حرمت من هذا المشهد الرائع. مرّت سنوات وهي تجلس في هذه الشرفة دون أن تحاول يوما الوقوف. كانت تخاف المرتفعات وتخجل من قصر قامتها.

أحست بالنّعاس يداعب جفنيها ويغريها بالنوم. جمعت متاعها. أخذت الهاتف لتعدّل المنبه لتستقيط باكرا استعدادا للموعد. مرّت على قائمة الاتصالات الواردة. تأمّلت جيدا زمن آخر اتصال: إنّه منتصف الليل. تساءلت عندها: هل توقيت العمل في مؤسسة الأمل يمتدّ إلى منتصف الليل؟

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

زينب هداجي

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..