سينما مراجعات

The Lunchbox فيلم هندي بلا رقص وصخب، عن حب نشأ بسبب صندوق غداء

ما الذي يخطر ببالك حين نقول “فيلم هندي “؟ “اللوحات الراقصة، المشاهد القتالية المبالغ فيها، الكثير من الرقص،اميتاب باتشن، نساء يلبسن الساري، رقص، عيون جميلة وبشرة سمراء، موسيقى مليئة بالطاقة والفرح، ألوان، ألوان ورقص.” هل يخطرك شيء آخر، أغفلتُ ذكره؟ شخصيا هذا ما يحضرني ما أن يقال “فيلم هندي “. ولهذه الأسباب، قلّما شكّلت الأفلام الهندية إغراء لي، فإن شاهدت فيلما هنديا سيكون مصادفة أو مع العائلة. عدد قليل جدّا من الأفلام رسخ في ذهني ولمسني خاصة، فأن يترك الفيلم أثرا في نفسي أمر أساسي في تقييمي لما أشاهد وإن كان غير موضوعي. The Lunchbox، فيلم هندي لمس قلبي جدا لدرجة أنّي قررت أن أكتب عنه مطوّلا وأقترحه على أغلب من أعرف.

The wrong train can lead you to the right station

قد يقودك القطار الخطأ للمحطة الصحيحة

محور الفيلم كما يخبر العنوان “صندوق الغداء/ The Lunchbox “. فحوله تدور الأحداث وسنجده في أغلب مشاهد الفيلم متنقلا من يد ليد ومن مكان لآخر. سيلقى عناية وتقدير البعض ولن يدري البعض الآخر ما يحتوي ولن يهتم. صندوق الغداء، ترسله “إيلا” -نيمرت كور- يوميا لزوجها، في محاولة منها للتقرب منه أكثر بأكلاتها الشهية. فهي ربة بيت وطباخة ماهرة ورثت بعض الوصفات السحرية عن جدتها. ربّما هي تعمل بالقول الشهير “طريقك للرجل معدته” لكنّها فعلا تعتني بكلّ تفاصيل الأكل الذي تعدّه من المكونات حتى الترتيب. لا تطبخ إيلا بل تضع بعضا من روحها في ما تعد من أطباق. وأراهنكم أنكم ستحبون مشاهد الطبخ والأكل والمكونات في الفيلم وسيبلغكم أنّها فعلا تجتهد لإسعاد من سيأكل ما تعدّ.

تقول الممثلة نمروت كور في حوار مع يورونيوز عن “إيلا”

عالمها ضيق، والمطبخ يمثل كل شيء بالنسبة لها. إنه مكتبها، ومصنعها، وكل ما تملك. حياتها بسيطة. الطبخ هو كل ما تقوم به إلى أن تعي أن الحياة قصيرة ويجب أن نحيا حسب ما نشاء.

قد يُفهم من هذا أنّ إيلا في لحظة ما قررت الثورة على وضعها وتغيير حياتها، وهو صحيح، لكنّه يقع بهدوء وسلاسة وكأنّه لا يتمّ. سنلاحظ أنّ إيلا هادئة ولطيفة حتّى حين تقرّر أن تغامر وتخرج عن نسق حياتها المعتاد. ستفاجئنا مرتين وفي الثانية، ستكسر أفق انتظارنا تماما. حتى كسر أفق الانتظار في هذا الفيلم سيكون سلسا وسنتقبّله ونهضمه ونحبه بلا غضب ولا استنكار كما نتقبّل ونهضم ونستمتع بالأطباق الشهية وسط زحمة وضجيج يوم عمل متعب. نسق الفيلم الهادئ والبسيط حتى في لحظات التحول الهامة في الأحداث هو الذي يجعلنا نتفاعل بهذا الشكل. يجعلنا نتابع ونرضى بما يقع حتى نتفاجأ بالنهاية للحظات ربّما ثمّ نقبلها. هذا الفيلم يخلق حالة رضا وسكينة جميلة ويجعل المشاهد يسترخي مبتسما. ليست إيلا وحدها التي ستجعلنا حركتها في مطبخها وبيتها مشدودين لها ولوجهها عادي الجمال والجميل جدا في آن -ستحبون عيون إيلا وما تقوله-، فسانجان أيضا يشدّ وإن بطريقة مختلفة.

سانجان -عرفان خان- موظف أرمل على وشك التقاعد بعد 35 سنة من العمل المشهود بكفاءته وإتقانه. يصل غداء سانجان في صندوق غداء من مطعم مجاور لبيته فلا أبناء له ولا هو يقبل الاكتفاء بموزة للغداء. موزة واحدة هي كلّ غداء الكثير من الموظفين والعمال الذين لا يستطيعون تحصيل أكثر منها -أنا أيضا تفاجأت بالأمر-. وربّما لأنّه محظوظ أو لأنه أرمل وسيم وموظف بارع في عمله -هو السيناريو في الحقيقة- وصله خطأ صندوق الطعام الذي ترسله إيلا لزوجها وتصرف الكثير من وقتها وجهدها لإعداد ما يحتوي من طعام. أ ليس محظوظا؟ سيعطيكم هو نفسه هذا الانطباع، وإن لم يصلكم فسيخبره موظفه المتدرب بذلك حرفيا. لعلكم هنا تتساءلون عن كيفية وقوع الخطأ وعمن يوصل صناديق الغداء هذه. وقد تفكّرون لما لا يأخذ كلّ موظف أو عامل صندوق غدائه معه حين يخرج للعمل صباحا. الإجابة ستعرفونها منذ المشاهد الأولى للفيلم. إنها “الداباوالا”، أجل هذا اسمها.

يقول مخرج The Lunchbox ريتش باترا في حواره مع يورو نيوز: “الداباوالا/Dabbawala خدمة توصيل بين المنازل والمكاتب في مومباي -عاصمة الهند- وتعود الى ما يزيد عن عشرين عاما. والداباوالا مهنة قديمة يتناقلها الأبناء عن الآباء. يأتون من القرى حول بومباي ويوصلون مئات الوجبات كل يوم. علبٌ ترسلها الزوجات إلى أزواجهنّ في المكاتب وهم لا يخطئون أبدا.” سيقول هذي الجملة الأخيرة العامل الذي يأخذ علبة الطعام يوميا من إيلا حين تقول أنّه أخطأ وأخذها لشخص آخر غير زوجها. بل وسيُعلمها أنّ مجموعة باحثين انجليز جاؤوا لمومباي وأجروا بحثا بخصوص عمل الداباوالا وأثبتوا دقّتهم وشدة تنظيمهم.

يواصل المخرج:”لأنهم يستخدمون وسائل النقل العام، كّل علبة تحمل رمزا من ستة أحرف، وأعدادا وألوانا. وتحمل كلّ المعلومات عن مصدر العلبة ومسارها ومكان وصولها. وأشارت الإحصائيات أن نسبة الخطأ هي واحد على ستة ملايين. الفيلم يدور حول هذا الخطأ الذي نتجت عنه علاقة بين شخصين.” فضح باترا السرّ إذن، فثمّة علاقة ستنشأ بين إيلا -الزوجة التي يهملها زوجها فتحاول استرجاعه ثم لا تهتم- وساجان -الأرمل الوحيد الذي لا تنفك طفلة تغلق شباك غرفة أكلهم التي تقابل شرفته كلّ ليلة-، لكن ما نوع العلاقة؟ وكيف سنعيشها معهما؟ أنا أضمن لكم أنّ قلوبكم ستختلج كثيرا بسبب تفاصيل بسيطة أو ربما أنّ إيلا وساجان شخصان كأيّ شخصين في حياتنا نحن عامة الناس الذين لا يلحظنا أحد. بل إنّ لا أحد سينتبه لهذه العلاقة الحميمة ما عدا موظّف متدرّب متطفّل وطفوليّ نوعا ما، لكنه ليس موظفا ثرثارا على أيّ حال ولن يخبر أحدا. بل هو سلبيّ، وستغضبون منه في لحظة ما قُبيل النهاية وتتمنون لو فعل شيئا ما وتدخّل في شؤون غيره.

الفيلم يدور حول الوحدة . في مدينة تعد ما يزيد عن خمسة عشر مليون نسمة. ــ ريتش باترا

فاجأكم قول المخرج؟ للأسف هذي حقيقة الفيلم. ولعلّه في هذا يكم سرّ تأثير الفيلم. إذا كان المشاهد يشعر بالوحدة، سيعيش أحداث الفيلم بكلّيته وسيتحمّس للعلاقة التي ستنشأ بين “وحيد ووحيدة” وسط مدينة مزدحمة. سيتمنّى الكثيرون أن يحصل لهم ما حصل لـساجان وإيلا ليصبح لحياتهم طعم مختلف. وربّما سيعيدون النظر في أيّامهم وروتينهم بعد مشاهدة الفيلم. قد يكون ما اختارته إيلا دفعا لهم، قد يمنحهم أملا أو ينجح في إخراجهم ولو لحين من شبكة الوحدة. في أسوأ الحالات، سيستمتعون بتجربة إنسانية ممكنة الحدوث ولو بنسبة 1 على 6000000. أعلم أنّه أمر مضحك، لكن من يدري؟

يبقى أن أقول لكم في النهاية أنّ البطلين لن يجتمعا في مشهد واحد أبدا لأخيّب آمالكم، لكني أدعوكم لتحافظوا عليها عالية فإيلا تتحاور مع جارتها العجوز يوميا ويتشاركان الأغاني والوصفات والمقادير والنصائح دون أن تجتمعا أبدا. أجل، لن تروا الجارة العجوز أبدا لكنكم ستحبونها من صوتها ومشاركتها إيلا بعض وحدتها. ستحبّون أيضا قصّتها مع زوجها، قصة عميقة الأثر. ولعلّ هذا الأسلوب في التصوير -وإن كنت لا أفهم في التقنيات- ما سيجعل شعور البطلين بالوحدة يصلنا بعمق. وسيجعلنا أقرب لهما، كأننا نرغب بأن يشعروا أنّنا معهما، نتابع قصتهما ونتمنى لهما السعادة في النهاية.

أقول لكم أيضا، أنّي أحببت ملابس إيلا المنزلية البسيطة وطريقة تصفيفها لشعر ابنتها. وأنّي آسفة لأني قدّرت جمالها بملاحظة متوسّط، فقد فاجأتني بجمالها يوم ذهبت للقاء ساجان كما فاجأته. قد قلت لكم أنّهما لم يلتقيا، ربّما هي كذبة صغيرة أو حيلة لأثير تساؤلاتكم. على أيّة حال، إذا ما شاهدتم ستكتشفون ما حصل حقيقة.

The Lunchbox فيلم هندي صميم، بلا موسيقى راقصة ولا لوحات راقصة. فيلم هندي “صميم” نعيش معه أيام سكّان بومباي، العاصمة المكتظة. أدعوكم لمشاهدة فيلم بسيط، عن أناس بسطاء “لا يلاحظهم أحد”، عن الحبّ والعطاء في تجليّاتهما البسيطة “أطباق شهية في صندوق غداء”.

شاهد الفيلم مع ترجمة انجليزية

الشريط الإشهاري للفيلم:

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نهى سعداوي

تونسيّة، متحصلة على الماجستير في اللسانيات الانجليزية. مهتمة بالترجمة ودعم المحتوى العربي. هاوية كتابة. مناصرة للقضية الفلسطينية، لقضايا العرب والمسحوقين أينما كانوا.

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..