هات يدك

حين سمع صوتا يناديه باسمه لم يصدق. ظنّ أنّها ذات التّهيّؤات التي تلازمه وتبقيه عصيّا على التّحوّل في هذا المكان الموبوء. أخذ يتحسّس آثار موس الحلاقة على وجهه ويتمتم: “هذا أنا.. أنا”.

كان الصوت ملحّا رغم أنّه كالهمس. وكان لشدّة معاناته ليصمد قد نسي تفاصيل أصوات الآخرين. أصبحت كلّ أصواتِهم صوتَه الذي يمنعه من الانصهار، لكنّ هذا الصوت عاد أوضح وأبعد. الصّوت آت من خلف الجدار الذي لا يراه.

يحيط بهذا المكان الموبوء -هكذا كان يسمّيه- جدار لا يراه المحتَجَزون في الدّاخل. هو جدار بصري ينشأ ما أن يتجاوزوا البّوابة التي تفصل الدّاخلين عن العالم الذي أتوا منه. فهذا المكان عبارة عن مِدجنة يدخلها الأفراد قسرا ليتمّ تحويلهم إلى ذوات متطابقة. كلّ شيء منظّم بشكل آليّ والكلّ يخضع للنّظام بشكل يتحوّل بمرور الوقت لآلي. يتحوّل الفرد إلى نسخة فلا يفرّق بين وجهه ووجوه من حوله. وجوه تُحلَق كلّ صباح لتصبح شفاّفة قابلة للاختراق، أمّا هو فكان وجهه بذات العتمة تقريبا منذ دخل. يرفض أن يحلق ذقنه فيقوم أحدهم بذلك بيد غير ماهرة. جروح موس الحلاقة التي تتحوّل لندبات هي التي ساعدته ليحفَظ هويّته الذاتية إضافة لعقله صعب التّحوّل. ولأنّه الفرد المختلف كان يُحتفظ به في ركن معزول من المكان الموبوء.

نجح في مغادرة هذه المدجنة قلّة. قلّة كانوا يفلتون من المدجنات الأخرى المنتشرة في كلّ مكان. وكان كلّ فرد من هذه القلّة يعود غالبا ليساعد من يدرك أنه سيكون عصيا على آليّات التّحوّل. كيف يكون مدركا لذلك؟ إنّه شيء ما في داخله يدلّه. وأحدهم عاد ليخرجه. كان عليه فقط أن يثق في قدرته على تخطّي الجدار بينهما ويمد له بثقة يده.

الصوت كان لحوحا. يناديه باسمه الذي كاد يمحى من ذاكرته لولا أنّه يردّده كلما لمس وجهه ليسمعه. أصبح يعي أن أحدهم في الجهة الأخرى يعرفه ويخاطبه. ابتسم وسار مترددا نحو الجدار. الصوت في الجهة الأخرى سمع خطوته. توقّف عن مناداته وصار يردّد: “هات يدك، الأمر بسيط كلّ ما عليك هو أن تمدّ يدك. فقط هات يدك، يدك .. مدها. مد يدك …”

الصوت، كان غير آلي، غير رتيب. الصوت، كان كأنّما يشحنه. الصوت، كان يعرفه. الصوت، جعله يتحسس الندبات على وجهه. الصوت، في داخله وجده. “يدك، يدك، يدك..” إنها يده ستخرجه.

مدّ يده. يدٌ أخذت يدَه. صوت أليف بيد ينتشله. صوت أليف بيد يشدّ على يده ويجرّه على أرض كاد ينسى كيف يسير عليها. تماسك وانتفض. استعاد إحساسه بما حوله. ابتسم وجهُ الصّوت الأليف وابتسم وجهه. شدّت يده على يد الوجه الأليف أكثر وركضا. لقد عرَفَه.

يركضان مقهقهين، وجه بندبات ووجه أليف.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نهى سعداوي

تونسيّة، متحصلة على الماجستير في اللسانيات الانجليزية. مهتمة بالترجمة ودعم المحتوى العربي. هاوية كتابة. مناصرة للقضية الفلسطينية، لقضايا العرب والمسحوقين أينما كانوا.

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..