شخصيات

نعم، كان زئبقيا، لكنّه ياسر عرفات

“بتفكر حالك إبن ياسر عرفات؟!”

هكذا كان يخرجُ الجوابُ من أفواهنا فيما كنّا صغارا نحيكُ حلمنا على مغزل آبائنا حين يلقنوننا فلسطين و”البلاد”. يحدث هذا حينَ يقولُ أحد الأولاد شيئا مغرورا لدرجة الغيظ، وكأننا نقول له: “يجب أن يكون أبوك ياسر عرفات لتقول كلاما مثل هذا.”

كبرنا، واختلفت توجهاتنا السياسية، وانتماءاتنا كذلك، ولم أكن أحب ياسر عرفات كثيرا، لأنه حسبما كان يقول عنه اليسار الذي انتميت إليه في تلك الأوقات: “مفرط، متنازل، يسعى إلى التفاوض، يلعب على الحبلين…” إلى آخر هذه التوصيفات التي كانت تجعلنا نضع ياسر عرفات في مكانٍ يشبه مكان السادات. وأذكر جيدا حين خرج من معركته مع أبو موسى وأبو صالح إلى مصر، فقامت الدنيا ولم تقعد، بعد أن اخترق المقاطعة العربية لمصر التي وقعت معاهدة كامب ديفيد مع إسرائيل، وكان عرفات قبلها قد وقَّعَ وثيقة مايكلوسكي التي خرج بموجبها المقاتلون الفلسطينيون من بيروت بعد حرب 1982.

استمرَّ التاريخ الفلسطيني في التقدم، وياسر عرفات لم يتغير. وموقفنا منه لم يتغير كذلك. وتم توقيع اتفاق أوسلو، وما تلاه من تسليم بعض المدن للسلطة الفلسطينية. وأخذ عرفات وقتها يتنقل باستعراض رسمي بين غزة ورام الله، وكأنه يتنقل بين دولتين. ثمّ حوصر في رام الله إلى لحظة خروجه الأخيرة إلى فرنسا حيث عاد في تابوت.

وبما أن التاريخ لا يأخذ التفاصيل على محمل الجد، بل يتعامل مع نتائج، فقد وقفت أمام ملخص لحياة عرفات: مات الرجل، ولم يوقّع على أيّ وثيقة للتنازل عن أي شبر من فلسطين ولا عن أي قضية من القضايا العالقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وقد كان موقفه في كامب ديفيد ربما آخر المواقف التي اتخذها على أرض الواقع حين رفض العرض الأمريكي الإسرائيلي لأن التفاصيل لم تكن في صالح الفلسطينيين.

عدت إلى فكرة التفاصيل مرغما، وفي كلّ مرّة كنت أراجع هذه التفاصيل لم أكن أجد مخرجا لياسر عرفات غير الموقف الذي اتخذه. كان زئبقيا. ومن يملك في السياسة أصلا أن يكون زئبقيا ويرضي الجميع دون أن يتنازل عن أية قضية مهمة؟ من كان يملك أن يلمّ خيوط الشعب الفلسطيني في يد واحدة ويرضي الجميع، حماس والجبهة الشعبية والحزب الشيوعي وغيرها؟ كنت أنظر لتلك الأمور أيامها أنها أمور مصطنعة غير أخلاقية، ولكنني مع الوقت، وعلى الأخص بعد أن رحل ياسر عرفات ورأيت ما آلت إليه السياسة الفلسطينية، والأحوال التي أخذت في التردي، بدأت أتفهم ما كان يفعله ياسر عرفات، ليس بسبب أنه كان ملاكا كما يدعي مؤيدوه المتشدّدون، بل لأنه فهم السياسة كما يجب على قائد عظيم، وتصرّف على أساسها.

كان لدى عرفات الكثير من الأخطاء والكثير من الإنجازات، ولكن في معظم الأحيان، لا تقاس حياة المرء في ميزان الأخطاء والإنجازات، فخطأ واحد من النوع الثقيل قد يأخذ البلاد كلها إلى الهاوية، لا يمكن أن تصلحه آلاف الإنجازات الصغيرة، ولكن في حالة شخص مثل ياسر عرفات، فإن المسألة تقاس بصورة أخرى، تتمثل في حجم القضايا الكبيرة التي تنازل عنها أو دافع عنها بشراسة مناضل بطل، وهي في الحالة الفلسطينية خمس قضايا محددة: القدس واللاجئين والحدود والسيادة والمستوطنات. صحيح أن عرفات مات دون أن ينجز أيا من هذه القضايا، لكنه في الوقت نفسه، لم يفرّط في أيّ منها كذلك، وربما يعترض كثيرون على هذا، ولكن عرفات كان يدرك مدى القوة التي يملكها ويتصرّف دائما على أساسها في ظلّ خذلان عربي ودولي.

أفرز ياسر عرفات منهجا، أخطأ كثيرون في فهمه، لأنهم لم يستطيعوا تطبيقه كما كان يفعل هو، بالمال وبالإقناع وبالتهديد أحيانا وبالتملص أحيانا أخرى، لكن هذا كله لم يكن نابعا إلا من تركيبة خاصة تحلّى بها ياسر عرفات وحده. صحيح أنه خلق “ياسر عرفات صغير” في كل مؤسسة وفي كل وزارة فلسطينية، لكنه في نفس الوقت، ذلك الرجل الذي ارتبط بفلسطين وارتبطت به، وكثيرا ما كنا نذكر للأجانب اسم فلسطين فيقولون: “آه باكستان”، وعندما نقول: “ياسر عرفات”، يقولون: “اووه جروسالم.”

ياسر عرفات، شئنا أم أبينا، واحد من أهم الرموز التي مرت على تاريخ الشعب الفلسطيني. سيبقى مثار جدل في موته بعد أن كان مثار جدل في حياته. رجل بتركيبة غريبة، رجل لا يجود التاريخ بمثله حتى على مستوى أخطائه أيضا، بما فيها الأخطاء اللغوية التي لازمت شخصيته، بكوفيته الشهيرة، بمسدسه المرافق دوما، باسمه على الحيطان، بصوره الشهيرة ببدلته العسكرية المهترئة التي لم يخلعها إلى أن مات، بأكله المكون من أبسط المكونات، بكل شيء رافقه، بمصوريه، بأفراد الشعب الذين أخذ معهم صورا تذكارية واحدا واحدا إلا ما ندر، ياسر عرفات، الذي فقدنا برحيله إحساسنا بأن لنا من يفهم ما يقول وما يفعل.

عزيزي ياسر عرفات، أغفر لك كل ما كنت أتهمك به، فارقد بسلام!

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

خالد جمعه

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..