أدب أدب وثقافة ثقافة

“البوسة في العين.. تفرّق”

ترفّ رموشهم بشدّة. وتروقهم جدّا الفكرة. وقع الشفاه على عيونهم مميّز، هذا ما قالوه. “لم يخطر لي أن تفكّر امرأة بتقبيل عيني، أبدا!” كرّر جميعهم هذه الجملة أيضا، مع تنهيدة تلذّذ أو ضحكة استمتاع مشوبة باستغراب.

لم أعفي أيّا من الذين عرفتهم أو صادفتهم من هدية “البوسة في العين”. قبلات وقبلات منحتها لعيون وعيون. لا مجال لأنسى. اضطررت مرة لأن أقبّل عيون أحدهم وأنا على درجات “القطار”، قبل انطلاقه مباشرة. تذكّرت فجأة أنّي لم أفعل وكان قد ودّعني وانصرف. أخرجت رأسي من الشباك وصرخت باسمه فعاد مسرعا، ظنّ أنّي نسيت شيئا ما مهما -كان مهمّا لي على أية حال-. ركضت عبر الممرّ، بلغت باب القطار ونزلت درجتين لأقف على الأخيرة وقلت:”اقترب”. قبّلت عينيه وضحكت. تفاجأ، قال:”مجنونة.” انطلق القطار، حينها. وهو لوّح بيده فرحا. وضحك.

عيون أرهقها السهر لعملٍ، لفراقِ حبيبة، لضجر. عيون تقبع خلف نظّارات طبية، تعزّز قدراتها التي خسرتها، طولا أو قصر نظر. عيون تختبئ خلف نظارات شمسيّة، تحسّسا، مراوغة أو مداراة خجل. عيون واسعة، رحبة تسعني وتسع أخريات بل تسع الكون وما حمل. عيون ضيّقة لا ترى غيري، منكفئة لا طاقة لها بمطاردات وتعب. عيون راقصة، خبيثة لا تكفّ رغم حضوري عن اللهو والشغب. وشفاهي تستوعب كلّ هذا مفصّلا ومجمّعا، تدرسه ولا تظلم. ينصرف الجميع بقبلات لعيونهم مسرورين، متساوين. الحمد لله الذي جعلنا من الواهبين العادلين. للجميع: “البوسة في العين”، لا فرق بين “الزّين والشّين”.

جميل هو إحساس رفّة الرموش اضطرابا، اختلاجة يخلقها الاحتكاك بشفاهي. تتحفّز العين لحماية نفسها كما تفعل دائما إذا ما صافحها جسم غريب. مثير أن تمثّل خطرا أو تهديدا لعيون أحدهم، بعيدا عن شاعرية أفكار مثل “صافح خيالها نظري، فاضطربت”، “وحين مرّت أمام ناظري، اختلج قلبي” .. وما إليه من الرومنسيات. نحن هنا بصدد الحديث عن مصافحة ومرور فعليّ تستنفر له العين فتنتفض الجفون لأشعر بحركة الرموش اللطيفة.

لم أكتفي بهذا، بل أطنبتُ. أطنبتُ في القبلات كلّها، فلحست رموشهم. أهديت قبلة فرنسية لعين كلّ رجل حصل وجمعه القدر بشفتيّ. ألعق الرموش فأبللها بريقي، حتّى أنّ أحدهم -وقد كان كثيف الرموش- قد قال:” أشعر بثقل في جفوني، أسكر ريقك العذب رموشي.” بينما قال آخر ضاحكا وهو ينظر لعينيه في شاشة جوّاله -وقد كانت رموشه طويلة- :”كأنّ رموشي بالماسكارا، انظري!”.

أردت أن أجعل الأمر سحريّا أكثر، وقد كان كذلك. فأغلبهم تنهّد. كنت أحرك لساني على رموشهم والجفون، فيصلني تحفّز بؤبؤ العين. بصراحة، كنت أستفزّه وكان يسقط في الاستفزاز فأشعر بحركته متبّعا حركة لساني. يغار البؤبؤ ويغتاظ مما حصله الجفن والرمش فيجبر العين أن تنفتح ليحظى أحيانا بلعقة. فيسقط الدمع مدرارا تأثّرا بالأعطية.

فاجأني أحد الذين قبّلت عيونهم بطلبه. كان أشسع خيالا من الآخرين. كان يكتب النصوص والقصائد ويحصد مئات “اللايكات” التي تغيظني. قال:”كحّلي بلسانك عيني ولا عليك من الدمع المنهمر!” وفعلت. راقني طعم الملح من عيني شاعر. أ لا ترى أنّي أكثر شاعرية منه؟

منحتُ عيونهم جميعا إكسيرا. جعلتهم مميزين في عيونهم، لا يحتاجون النظر في عيون الآخرين ليستمدّوا رضا وتميّزا. لم يخطر لأحدهم مرّة، وإن في أكثر أحلام يقظتهم الايروتكيّة تطرّفا أو خيالا، أنّ تقبّل امرأة عيونهم بهذه الطريقة. كانوا يستمتعون بالتجربة ويعبّرون عن ذلك كلّ بطريقته، لكن على الاستمتاع إجماع. وأنا؟

كنتُ أقبّلهم جميعهم في عيونهم تيمّنا بفكرة “البوسة في العين تفرّق”. فقد كنت أريدك أنت.

ملاحظة: لا أنفكّ أدعو من كلّ قلبي أن تمنح عيون كلّ امرأة تعرفها قبلاتك، لذات السبب.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نهى سعداوي

تونسيّة، متحصلة على الماجستير في اللسانيات الانجليزية. مهتمة بالترجمة ودعم المحتوى العربي. هاوية كتابة. مناصرة للقضية الفلسطينية، لقضايا العرب والمسحوقين أينما كانوا.

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..