ثقافة

أولئك الذين يبكون أثناء مشاهدة الأفلام هم الأقوى

أعطني المحارم الورقية، من فضلك!

أنا أعترف: أبكي أثناء مشاهدة الأفلام.. وقراءة الكتب، والاستماع إلى الأغاني والتسجيلات الصوتية. يمكنني جلب علبة المحارم الورقية قبل أن أجلس وحدي لمشاهدة فيلم، حسب درجة الهرمونات عندي.

رغم أنّ معظمهم يتكلّفون الابتسام عندما يرونني أشاهد الفيلم والدموع تنهمر من عيني، لا أجد مشكلة حقًا في ذلك، الحقيقة أنّ الذين يشاهدون الأفلام وهم يذرفون الدموع، لديهم شيء يفتقده الأغلبية: التعاطف.

من الصعب أن يكون لدى المرء تقمص عاطفي. الكثير من الناس نرجسيون ومرضى اجتماعيون، مثلا – أولئك الذين يعيشون حياتهم كلها دون أن يضعوا أنفسهم في مكان الآخرين. هذا يعني أنّهم فعلا لا يشعرون بالآخرين. 

في الواقع، إن الاهتمام بظروف الآخرين يتطلب الكثير من القوة. الحياة قاسية على بعض الناس. فإذا استطعت أن تضع نفسك في مكانهم لتشعر بألمهم، فهذا يعني أنك متميز في شيء ما.

أنت قوي بالدرجة الكافية لكي تتحمل هذا الألم، رغم شعورك به. أنت قوي بالدرجة الكافية لكي تكون قويًا من أجل الآخرين. أنت قوي بالدرجة التي تجعلك قادرًا على فهم من أين يأتي ألمهم وكيف يشعرون بما يشعرون به.

ليس نوعا من الضعف أن تكون مهتمًا لشخص آخر، وإن كان شخصية خيالية في فيلم. إن ذلك يثبت أن لديك قلبا، وأن هذا القلب ينكسر من أجل الآخرين. إلا أنك تعرف أنّ قلبك سيتعافى بعد نهاية الفيلم مجددا.

تخبرنا هذه القدرة على الشفاء بهذه السرعة بشيء آخر عن الذين يبكون أمام الأفلام: هم قادرون على التراجع مجددا كأنّ الأمر لا يعنيهم. إنهم أقوياء كفاية، وأذكياء كفاية لكي يفصلوا بين عالم الخيال والحقيقة.

بالطبع، هذا ليس السبب الوحيد الذي يجعل البعض يبكي أمام الأفلام. هناك دموع تُذرف من عينك لأنك كنت في الظرف نفسه الذي كان فيه البطل – دموع الذكريات الأليمة. كثيرًا ما تكون مشاهدة الأفلام علاجًا، حيث يمر الأبطال بالظروف نفسها التي مررت بها. هذا بالطبع يساعدني على إفراغ مشاعري المكدسة بطريقة صحية. إنني أتعجّب ممن يشكّ في قوّة الذي يواجه الأشياء التي سبّبت له الألم في الماضي.

ثمة أيضا دموع تُذرف عندما تكون متأثرًا جدًا بالأداء الفني العبقري للممثل. هذا ليس شكلا من الإدعاء حتى. تسمّى هذه الحالة بـ متلازمة ستندال / Stendhal syndrome التي من ضمن أشكالها المتقدمة أنّ العمل الفني قد أثارك لدرجة أنّه سبّب أعراضًا جسدية ونفسية معًا.

حدث ذلك معي بعد مشاهدة فيلم Casshern. للصراحة، أستطيع القول أنه يتطلّب الكثير من القوة لكي تُخرج نفسك من ذلك الشعور الجسدي العنيف للرعب.

بالنسبة لسريعي التأثر لدرجة أنّ الفنّ يحرّكهم، فإنهم في الواقع يشاهدون أفلامًا جيدة، يستمعون لبرامج إذاعية جيدة، ويقرؤون المجلات التي تحافظ على وجوههم هادئة. وقد يكون الأمر أشبه بجولة بـالدوارة الأفعوانية – تجعلهم يواجهون ويتقبلون ظهور تلك المشاعر التي يختار الآخرون إخفائها.

إذا ما سألتني، سأجيب أن ذلك يعني الكثير من القوة الملحوظة.

ربما ليست القوة التي يعتقدها الكثيرون عن الشخص القوي، لكن التعاطف أهمّ أنواع القوة العاطفية. وبدرجة ما، فإننا لا نستطيع إنكار أن الأمر يتطلّب الكثير من المهارة للبكاء أثناء مشاهدة الأفلام .

وإن لم نكن نقوم برفع ثقل 100 باوند، نحن نفجّر عواطفنا، وهذا قد يرفع أرواحنا أعلى من أي شيء آخر.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نور الدّين محمّد

دارسٌ للغة الروسيّة و آدابها، و مترجمٌ عنها.

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..