أدب أدب وثقافة ثقافة مجتمع

أنا لست جميلة..

لست جميلة!

نعم، هذه هي الحقيقة. لا أتمتع بأية سمة من سمات الجمال التي يتغزل بها الشعراء والمغنون أو حتى العوامّ في الشارع. أنا سمراء ببشرة متعددة الألوان. شعري مجعد، عيناي جاحظتان لا عسليتان ولا ملونتان بل سوداوان بلمعة بلاهة مضحكة، شفتاي غير متناسقين تخفيان صفين من الأسنان القبيحة.

لست أنيقة! ولا أهتم، لا بصيحات الموضة ولا بصرخاتها، بل ألبس ملابس فضفاضة تجعلني مرتاحة وتجعل التنقل سهلا. فقط أراعي أن يكون أغلبها أزرق لأنني أعشق هذا اللون جدّا. و مع كل هذا القبح، لم أفكر يوما في استصلاح هذا الكم الهائل من البشاعة.

كنت أحب الشمس كثيرا وأطيل المكوث فيها مما زاد من احتراق جلدي وتداخل الألوان الغامقة فيه. أقضي أغلب وقتي في قراءة كل ما تقع عليه يدي. أسافر مع الكتب وأعشق أبطال الحكايات. عشقت مهيار الباهلي في رواية حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر”، وتصورتني منى في روايته “الزمن الموحش”. أُصاب بنوبة بكاء طفولي مع كلّ بطل يموت و كلّ كتاب ينتهي.

كبرت، وازداد القبح قبحا وازداد الإدمان على الكتب إدمانا. انتقلت إلى كتب السياسة: ماركس، روزا لوغسمبورغ، كتب القومية العربية، تروتسكي.. كان لهذا الإدمان وقع جديد في حياتي. كنت أحلم بتغيير الواقع الذي يختطف أحلامي ويجهضها. حلمت بكونٍ سعيد، رجل يحبني بقبحي ومزاجي السيء، ولد أعلّمه أنّ الحرف شرف وأنّ الحياة لا تستقيم بلا قتال، أنّ المبدأ عهد والوطن عبادة.

مع مرور السنين، واحتلال الهالات السوداء جزءا أكبر من وجهي، اكتشفت أنني كنت أهذي طوال حياتي السابقة. اكتشفت أن شهادتي التي تحصلت عليها بامتياز لا نفع لها، وأنّ الحب في الكتب فقط، وأنّ للأحلام صلوحية وتاريخ انتهاء، وأنّ الابن الذي حملت به وولدته وسمعت أوّل حروف ماما من فمه وخطا أمامي أول خطواته وكبر وتعلّم وتخرّج وتزوّج كان ابن ورق فقط، وأنّ المبادئ والمثل والأفكار لا تبني بيوتا بل تهدم الأحلام.

بالمختصر، أحببت في زمن يموت فيه الحب فقيرا، كما ولد فقيرا! وفي هذا الحب، اكتشفت أن كلام الروايات والحبر والورق شيء والأمان الذي يمنحه حضن ما شيء آخر أكثر عمقا. كان حبا استنزفت فيه كل إمكانياتي. هل تعلم كيف تحب بكل خلية فيك؟ أنا فعلت!

كانت كل لحظة بمثابة عمر. كبرت في هذا الحب قرونا حتى خلت نفسي إلهة صغيرة. أطلقت على نفسي إسم هيرا تيمنا بالكمال و الخلود الإلهي. وطفقت أنسج الأحلام غير منتبهة لقهقهة القدر الشامتة.

الآن، أعود إلى رشدي و إلى طبيعتي البشرية بعين منكسرة و ذهن شريد، عجوزا بشعة بتجاعيد مقرفة ورحم أجوف ينعق فيه بوم الفراق، بآلام إحهاض صبيّ لم يأت.. ولن!

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

مروة صماري

Leave a Reply

Be the First to Comment!


 
نشر..

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂