تاريخ

كومندوس فرحات حشاد

عرفت البلاد التونسية منذ جانفي 1952 موجة من المقاومة العنيفة في المدن والأرياف غذّتها حملات القمع الاستعماري التي شملت كامل جهات البلاد، واستهدفت الوطنيين بالزج بالآلاف منهم في السجون والمعتقلات. وقابله المعمّرون الفرنسيّون بتكوين عصابة اليد الحمراء لتنفيذ عمليات اغتيال ضد عديد الوطنيين في أكثر من خمسين عملية إرهابية، كان ضحيّتها يوم 5 ديسمبر 1952 الزعيم فرحات حشاد. وقد كان الهدف من قتله إجهاض النضال الوطني الذي يتزّعمه حينها بينما بقية قادة الحركة الوطنية في السجون  والمعتقلات، لكن استشهاد حشاد كان سببا في تأجيج المشاعر الوطنية .وازدادت بذلك عمليات المقاومة جرأة وانتشارا في مختلف مناطق البلاد ومنها “كومندوس فرحات حشاد” التي كانت عملية رمزيّة أكثر منها فاعلة في الأحداث كما سنبيّن ذلك.

الاستعداد

في هذه الفترة من التاريخ، كانت طرابلس الليبية بداية من الخمسينات ملجأ عدة وطنيين فارين من الاستعمار الفرنسي بعد تورطهم في أعمال تخريبية ضد المصالح الاستعمارية أو لنشاطهم السياسي، ومن أوائل هؤلاء نذكر “محمد مراد بوخريص” و”علي الزليطني” و”الطاهر عميرة” الذين عملوا على تسهيل فرار عدد آخر من التونسيين وصل عددهم 48 مقاوما. وتمّ تنظيم صفوفهم لبعث نواة مقاومة مسلحة تنطلق من طرابلس لاستهداف المصالح الفرنسية في تونس.

اتخذ المقاومون مركزا للتدريب بمدينة طرابلس الليبية في مزرعة شاسعة على ملك فلاح تونسي يتوسّطها برج به غرف أقام بها المقاومون. وكان يأتيهم التمويل من تونس بطرق سرية إما بحرا بقوارب الصيادين أو بواسطة سائق سيارة لواج كان يعمل بين تونس وطرابلس. تزودوا لاحقا بأسلحة ألمانية من بقايا الحرب العالمية الثانية اشتراها الزليطني من بعض العروش ومهرّبي الأسلحة بالجهات الحدودية، وهي بنادق ومسدسات وذخيرة ومتفجرات. كان التدريب على السلاح على يد شخصين الأول “علي بن مسعود” الذي سبق وشارك في حرب فلسطين ضمن صفوف الجيش السوري ثم نابه في التدريب “عبد القادر الشريب” الذي كان متطوعا ضمن الجيش الألماني في تونس مع بداية الأربعينات.

التنظيم

انطلق التدريب في شهر نوفمبر 1952 الذي سبق اغتيال حشاد (يوم 5 ديسمبر). وعلى إثره، تقرّر إرسال مجموعة كومندوس للثأر. تطوّع للعملية 16 مقاوما كان معدّل أعمارهم 29 سنة، أكبرهم “عبد الله الجليدي” 54 سنة وأصغرهم “حميدة الجواني” 19سنة، ينحدرون من وسط اجتماعي شعبي وشغلي وأغلبهم من الجنوب مع 4من الساحل و2 من العاصمة.

تقرّر أن يتمّ انطلاق “كومندوس فرحات حشاد” يوم 9 ديسمبر مزوّدين بالأسلحة المكوّنة من 17 بندقية و136 قنبلة يدوية و5100 خرطوشة و4 مسدّسات مع الملابس الضرورية. قسّم القائد علي الزليطني المقاومين لمجموعتين وأعطى لكلّ مجموعة مهمتها كالتالي:

  • المجموعة الأولى: تتكون من 7 أفراد يقودها “علي بن مسعود” ويساعده “علي الجليدي” وقد كلفوا باقتحام واحتلال مكتب الشؤون الأهلية ببني خداش (بولاية مدنين جنوب تونس) والسيطرة على المنطقة المحيطة به. وكُلّف الجليدي بإثارة الأهالي لنصرة الثائرين على أن تصلهم تعليمات لاحقة من الزليطني عن طريق أحد أصيلي منطقة بن ڨردان.
  • المجموعة الثانية: يقودها “علي القلعي” وأسندت لها مهمة الذهاب إلى جبال مطماطة للالتحاق بمجموعة “فلاڨة” هناك يقودهم القائد “مصباح الجربوع” للقيام من بعمليات تخريبية ضد المصالح الاستعمارية بجهة مارث ومطماطة والحامة، على أن يواصل أفراد المجموعة سيرهم نحو الشمال لجبال القيروان.

التنفيذ

بعد ثلاثة أيام، وصلت المجموعتان إلى الحدود الجنوبية وحصل أوّل اشتباك مع فرقة من الڨومية(1). ونظرا لتفاوت موازين القوى انسحبت الفرقة الفرنسية ليقع استنفار تعزيزات عسكرية كبيرة، قادها القائد العام للقوات الفرنسية بالجنوب بنفسه وهبّت معه تعزيزات من الجندرمة(2) من قابس ومدنين وبن قردان وكلّ ضباط الشؤون الأهلية إضافة لفصيل المخازنية(3) ببن ڨردان.

بدأت مطاردة الكومندوس يوم 13 ديسمبر حتّى الليل. ثمّ بدأت المعركة الفاصلة من يوم الغد بجبل الرهاش قرب منطقة كاف التوارڨ على بعد 40 كلم جنوب بن ڨردان. حيث تم تطويق كامل الجبل من جميع الجهات وتمركزت فرق عسكرية خلف الثوار لقطع طريق الفرار عليهم. وهكذا بدأت الحملة الأولى ضد المقاومين بعد الظهر، واستشهد فيها 6 من الكومندوس. ثم تلتها حملة ثانية كانت الأعنف، حيث التحمت فيها الأجساد واستخدمت فيها القنابل اليدوية والحراب انتهت باستشهاد 5 آخرين من الكومندوس. وهكذا أسفرت العملية عن استشهاد جل عناصر فرقتي الكومندوس مع أسر ثلاثة وفرار آخر وعودة أحد قيادي الفرقتين للمعسكر بطرابلس.

لم يبق حيّا من الأسرى سوى “حميدة الجواني” الذي أخذ أسيرا، فيما تم إعدام 5 من الجرحى رغم استسلامهم. ولم يشفع لحميدة سوى أنّ القائد العسكري اكتشف أنّه يتحدّث الفرنسية فطمع في الاستعلام منه. من الجانب الفرنسي، تشير التقارير الرسمية لمقتل أحد الجندرمة وأحد المخازنية لكن حميدة الأسير قال في شهادته بعد الاستقلال أنّ عدد القتلى كان أكبر من هذا. فحين إنزاله من الجبل أسيرا، شاهد كومة جثث المخازنية الذين قتلوا.

تقييم العملية

كانت عملية الكومندوس متسرّعة. فهي ردّة فعل غاضبة على اغتيال فرحات حشاد غاب عنها التأني والتخطيط المحكم وضمان أقصى حدود سرية العملية. كانت قليلة الاحتراز من حيث التنظيم والتحضير وتدقيق المهام والسير عبر الحدود والاستكشاف والربط مع العناصر الوطنية داخل التراب التونسي. كما دلت العملية على عدم حرفية، ليس فقط من حيث تدريب المقاتلين الذين لم يمضي على تدريبهم أقل من شهر بل ومن حيث ضمان شروط التنفيذ بما أنّ الاستعلامات العسكرية الفرنسية كانت على علم بالمعسكر وتابعت تحركات المجموعة منذ خروجهم من طرابلس.

رغم هذا فإنّ العملية دليل على مدى شجاعة التونسيين وإقدامهم على الدفاع عن وطنهم والتضحية بأرواحهم في سبيل الحرية والاستقلال. وحين أرادت القوات الاستعمارية قسم ظهر المقاومة باغتيال فرحات حشاد، أظهرت المقاومة أنها أشد صلابة وشجاعة. وزادت الوطنيين إصرارا على مواجهة الاستعمار بالقوة المسلحة بما أن المقاومة أصبحت في السنتين التي تلت اغتيال حشاد أكثر انتشارا من شمال البلاد إلى جنوبها وأشد قوة من ذي قبل.

المصدر:

كتاب “المقاومة الشعبية في تونس في الخمسينات” تأليف عميرة علية الصغير،  مطبعة السفير الفني 2004. نُقلت جلّ المعلومات عن تقرير القيادة العامة للجيش الفرنسي لسنة 1954 وبعض صحف تونسية وفرنسية وتقرير الاستعلامات العسكرية.

  • (1) الڨومية: مجموعة عسكرية مسلحة من سكان الجنوب جنّدهم الاستعمار الفرنسي لمساعدته بالمناطق العسكرية جنوب تونس.
  • (2) المخازنية: قبل الاستعمار كانوا جنود الباي ثم أصبحوا بعد الاستعمار يعملون على مساعدة الجيش الفرنسي.
  • (3) الجندرمة: قوات البوليس الفرنسي المسؤولة على حفظ الأمن بالمناطق المدنية.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

حسام طوبان

Leave a Reply

Be the First to Comment!


 
نشر..

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂