ثقافة فنون

“مسرح مصر” وأشرف عبد الباقي: بين إعادة التاريخ لنفسه ووراثة عرش الأخلاق

كانت الساعة تقارب السابعة وأناأنتظر صديقي لندخل معا عرض “مسرح مصر” الشهير في أوساط المجتمع المصري حاليا.  ورغم أن الدعوة (المجانية) تقول أن الدخول على الساعة الثامنة، إلا أن صديقي الذي يعمل في شركة الإعلان طلب مني الحضور مبكرا قبل العرض وإلا سأمنع من الدخول، وهذا ما فعلت. مكان العرض أحد الفنادق الموجودة بجاردن سيتي وهو واحد من أشهر الأحياء الراقية بمصر.

دخلنا المسرح لأجد كما كبيرا من الناس لم يمنعهم غلاء سعر التذكرة من الحضور. رغم الظروف الاقتصادية السيئة التي تمر بها البلاد هذه الفترة وما تركت من أثر على الجميع، إلا أنّ مسرح العرض الذي يقام كلّ شهر ممتلئ لآخره! يتنوع الحضور بين العائلات الأرستقراطية وفوق المتوسطة والأحباب. وجميعهم هدفهم واحد: الضحك فقط. في ظل اختفاء الضحكة من جميع مناحي الحياة في مصر اليوم وفي ظل السواد الذي يملأ الوجوه، أصبح لزاما على الناس أن يخرجوا ما في قلوبهم من حزن وأن يجدوا متنفسا لهم عن طريق الضحك.

مسرح مصر

هو عبارة عن نوع جديد من المسرحيات على شكل حلقات مختلفة الشّكل والمضمون. وقد كان هذا غريبا بعض الشيء على المشاهد المصري، ما خلق لديه فضولا لمتابعة هذا العرض الجديد الساخر. أقيم العرض أسبوعيا في موسمه الأول، وبانتهائه، كان قد بلغ عدد العروض 21. وقد لاقى نجاحا في الشارع المصري، ما حفز الفرقة لعرض موسم ثان على نفس المسرح. وتوالى نجاح الفرقة لينطلق موسم ثالث في أغسطس 2015 وموسم رابع في يوليو 2016، لتبدأ عروض الموسم الخامس في يونيو 2017 وتستمر إلى الآن.

العروض من بطولة أشرف عبد الباقي، علي ربيع، مصطفى خاطر، حمدى الميرغنى، محمد أنور، دينا محسن وكريم عفيفي، وعدد من الوجوه الشابة. ومن تأليف وإخراج السيناريست المصري نادر صلاح الدين. عُرض الموسم الأول والثاني على قناة الحياة تحت عنوان “تياترو مصر”، قبل أن تحصل قناة MBC مصر على حقوق بث الموسم الثالث والرابع والخامس مع تغيير الإسم إلى “مسرح مصر”.

تجربتي الشخصية مع العرض

كانت بدايتي مع العرض عن طريق المقاطع المنتشرة على مواقع التواصل والتعليقات الإيجابية لبعض الشباب بأنه عرض خفيف الدم قام فيه ممثل متوسط المستوى -أشرف عبد الباقي- بتجميع مواهب شبابية لم يسبق لها العمل بالتمثيل من قبل على خشبة المسرح محاولا خلق فرصة عمل إذ توقف المنتجون عن إسناد أدوار له. المفاجأة كانت تحقيق هؤلاء الشباب لنجاح ملحوظ، فكما قلت ما يزال الناس يبحثون عن من يضحكهم ويبدو أنهم قد وجدوا ضالتهم.

البداية

بدأت فكرة الحلقات الأولى للعرض بفن الـParody وهو أسلوب ساخر اعتمده الممثلون  لعرض أفلام ومسلسلات قديمة ومشهورة بطريقة مضحكة ونقدية. ثم بدأت الافكار تنفذ، فبدأوا باستخدام أسلوب “إفّيه الموقف الواحد” وتأليف مواقف مضحكة ثم إلقاء النكات و”القلش” -وهو التلاعب بالألفاظ لإضحاك الناس. و وصل بهم الإفلاس للسخرية من أشكالهم وأوزانهم وألوانهم ليضحك الجمهور. وتطوّر الأمر ليشمل السخرية من وجود أمّ أحد الممثلين في العرض والسخرية من نية آخر الزواج من زميلته في العرض دون أن ننسى الإفّيه المستهلك جدا الذي مللنا منه وهو الخوف من الريس أشرف عبد الباقي وتهديده لهم بالطرد، وهكذا..

المسرح النظيف

عند بداية الموسم الأول، قال أشرف عبد الباقي المسئول عن العرض أن مسرحه أخلاقي ولن يخدش الحياء وأن العرض يستهدف العائلات وهو عرض نظيف خال من أي عبارات جنسية. ووعدنا بالاستمرار في هذا كما هو موجود في هذا الرابط، ولكن يبدو أن نفاذ الأفكار اضطرّه للجوء للإفّيهات والعبارات الجنسية بل واستخدامها بشكل مبالغ فيه. ونحن هنا لا نعيب عليهم سوى أنه كان من الضروري وضع عبارة “للكبار فقط” قبل العرض منعا لحضور أطفال. فحين يستخدم الممثل لفظا غريبا ويضحك المشاهدون، يستفسر الطفل عنه وفي هذا انتهاك برائته.

توقيت العرض وسعرالتذكرة

قال عبد الباقي أن العرض يشمل مسرحيتين في الليلة الواحدة. وهو بذلك يتفادى أسلوب المسرحيات القديم التي تستمر لأكثر من أربع ساعات متواصلة. وهو ما لا يتناسب مع العائلات المصرية، حسب قوله، من حيث المواعيد لتأخر الوقت. على أرض الواقع، بدأ العرض في الثامنة مساء وانتهى في الثانية عشر، وهو ما يخالف كلامه. يبدو أيضا أن سعر التذكرة القديم قد تأثّر بعوامل الزمن ليتحوّل من 50 إلى 250 جنيه. وهو ما ما يناقض كلام الريس كما يلقبه زملاءه في العرض.

مستقبل نجوم المسرح

كالعادة وكأي نجم جديد يصعد في مصر وينال شهرة كبيرة، يتهافت عليه الجميع حتّى يتم حرقه ويملّ منه الجمهور ويعود لمكانته الطبيعية في أدوار الصف الثاني. انهالت على ممثلي العرض عروض تمثيل كثيرة لم يحلموا بها. فقد لجأ لهم بعض الممثلين آملين في كسب ود الجمهور مرة أخرى بعد أن حققوا نجاحا ملحوظا في عرضهم المسرحي، كالممثل أحمد مكي ومحمد عادل إمام. بل وصل الأمر لإنتاج مسلسلات كاملة لهم: “شكشك شو” للممثل مصطفي خاطر ومسلسل “صد رد” للممثلين علي ربيع ومحمد عبد الرحمن ومحمد أسامة بالإضافة لأفلام “جحيم في الهند” و “أوشن 14” و “حسن وبقلظ” وأخيرا فيلم “خير وبركة” الذي يعرض في عيد الأضحى. المحزن   النجاح لم يحالف أيا من هذه الأعمال ما عدى “جحيم في الهند”.

ويكمن السبب في أن ممثلي مسرح مصر يعلمون أن سبب شهرتهم هو عرضهم المسرحي ولكنهم، لا يدركون أنّ الجمهور يريد التجديد ولن يقبل بالتكرار. فلا جديد قدموه في الألام والمسلسلات التي شاركوا فيها، أداء مكرر وباهت ومفتعل ما عدى الممثل الشاب محمد عبد الرحمن الذي يملك حسا كوميديا قد يمكنه يوما ما من الخروج من عباءة أشرف عبد الباقي.

عبد الباقي وريث عرش محمد صبحي الأخلاقي

قام أشرف عبد الباقي منذ عدة سنوات مع أحمد آدم بتقديم حصة تلفزيونية خاصة استضافا فيها الفنان الكبير عادل إمام كنوع من التقدير لفنه وذلك بعد أن خفتا بريق النجمين اللذين لم يجدا فرصة للظهور إلّا بتقديم برامج تلفزيونية ساخرة كبرنامج “آدم شو” لأحمد آدم أو اجتماعية: “دارك” لأشرف عبد الباقي. بعد أربعة أشهر من هذا اللقاء التلفزيوني، والذي كان يحوي الكثير من الإطراء المبالغ فيه لشخص عادل امام، عرض الزعيم على عبد الباقي دورا صغيرا في فيلم “بوبوس” غير الناجح تجاريا. وبعد فشل “صياد اليمام” في نفس العام، بحث أشرف في دفاتره القديمة ليلجأ لسيتكوم “راجل وست ستات” الذي تم إنتاج خمسة مواسم منه بنهاية عام 2011، ثم يقل نشاطه حتى عام 2014. ثم يعود بتايترو مصر الذي كان بمثابة طوق نجاة انتشله من الغرق في بحر النسيان، ليحدثنا عبد الباقي عن مسرح أخلاقي فيتبادر للذهن محمد صبحي صاحب الدعوات الأخلاقية، لكنه سرعان ما تخلى عن ذلك بسبب نفاذ الأفكار والرغبة في إنتاج مواسم أخرى من العرض.

إلى هنا، نشكر أشرف عبد الباقي عل ما فعل ولكننا نطالبه بالتجديد والتغيير من حين لآخر والخروج من دائرة الإعادة والتكرار.

دور السوشيال ميديا

كان للسوشيال ميديا دور في انتشار العرض ونجاحه في بداياته، ودور آخر كمصدر للإفّيهات التي كان أغلبها مسروقا من صفحات الفيسبوك وتويتر، مخالفا لأغنية التتر التي تقول “مسرحنا راجع بجديده عمر اللي نقوله ما نعيده”، فقد حدث العكس تماما. وبعد ذلك بفترة تداول المستخدمون منشورا منقولا عن إحدى الصحفيات التي لا نعلم هويتها، على أنه شهادة للتاريخ، في وقت كان الهجوم على العرض في ذروته. يتناول المنشور السبب الحقيقي لوجود العرض في الأصل، وهو عدم وجود فرص عمل للمثل أشرف عبد الباقي الذي كان يتألم من سؤال ابنته: “لماذا لا يذهب بابا إلى العمل؟” وهو ما اضطره لخلق عمل من لاشيء، هو مسرح مصر. لا أعلم ما كان يدور في ذهن كاتب المنشور، فهذه ليست طريقة ناجعة لاستعطاف الجمهور أو لإكسابه صبغة إنسانية. أظن أن الغرض الخفي من هذا المنشور أن لا تتم مهاجمة العرض، فلا يجلس أشرف عبد الباقي مرة أخرى في المنزل.

الخلاصة

أرى أن التاريخ يعيد نفسه. فما حدث في تجربة نجوم “ساعة لقلبك” في ستينيات القرن الماضي يحدث الآن مع أبطال عرض “مسرح مصر” مع اختلاف الزمن والظروف. يجب أن يتعلم هؤلاء ويطوروا أنفسهم ويخرجوا من عباءة مسرح مصر وإفّيهاته المكررة، ويذهبوا لأبعد من ذلك كي لا يتآكلوا بفعل عوامل التعرية والزمن والجمهور.

مصادر

أشرف عبد الباقي – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
بالفيديو أشرف عبدالباقي عن تياترو مصر: نقدم كوميديا نظيفة بعيدًا عن الإفيهات الجنسية – خبر
أشرف عبد الباقي يفارق عادل إمام وإسماعيل ياسين في يوليو القادم | محمد ممدوح | في الفن
جريدة البشاير | شاهد بالفيديو : “الحياة” تتزين باستقبال أحمد آدم وأشرف عبد الباقى للزعيم عادل إمام فى ليلة رأس السنة |
أشرف عبدالباقي: نجاح “تياترو مصر” شجعنا لتقديم جزء ثانِ – خبر
مسرح مصر – ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
بالصور: أشرف عبدالباقي يحتفل مع نجوم “مسرح مصر” بإطلاق الموسم الأول – خبر

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

إسلام سعيد

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..