أدب وثقافة ترجمة

عن تلازم الذكاء العاطفي والوحدة أو هل الأذكياء أكثر وحدة؟

أن تتنازل عن السحر المتفرّد الذي تتميز به العزلة في الثقافة الرومانسية – لتحصل على شعور منحرف بالتفوق وربما لتمرّر غياب المهارات الاجتماعية كفضيلة، تبدو الفكرة دنيئة ​​وغير ديموقراطية! 

يجب إذن توضيح المقصود بالذكاء هنا. فلا علاقة له بالدرجات أو أي من المعايير التي نقيس بها الذكاء عادة. المقصود هو الذكاء العاطفي، الذي يوجد (أو لا يوجد) في كل طبقات وزوايا المجتمع. الذكاء العاطفي يعني القدرة على الصدق مع النفس والمراقبة الذاتية، يعني موهبة الانفتاح على جوانب من الذات أغرب وأكثر إثارة، ولا تُتَقبّل بسهولة، وفي الوقت نفسه ملاحظة العديد من التجارب الجميلة المميزة العميقة والأحاسيس التي تشق طريقها عبر الوعي.

لوحة لبيير أوغيست رينوار

لسنا معتادين على القيام بهذا، فنحن نتعلّق بشدّة بمفاهيم مطمئنة بخصوص “كيف يبدو الناس العاديون”. وهذا يعني أننا نستبعد الكثير -الجزء الأثرى غالبا- مما نشعر به ونرغب فيه ونفكّر فيه فعليا. نحن نداري الجوانب الأكثر سخاء وتوحشا، الأكثر تبرّما، الأكثر رعبا فينا، مبقين فقط على القشور المقبولة اجتماعيا والتي ندّعي ببراعة أنها من نحن. وبالتوازي، نؤكد أننا لسنا بعيدين أبدا عن أشياء قد تأخذنا بقوة بعيدا عن أنفسنا. فنفوّت العجائب المزعجة التي تندفع بسرعة عبر الأفق العقلي في كل لحظة. معظم ما في عقولنا لا يزال غير محسوس وغير مرئي، يزعجنا فقط في بواكير الصباح. والأرق انتقام لكل ما حاولنا جهدنا أن لا نلحظه في وضح النهار.

في هذا السياق، يبرز الذكاء العاطفي كنوع من الشجاعة، لا يوجّه لهزيمة عدو خارجي بل لهزيمة الخوف من أن تغدو غريبا أو تجنّ. ثمة نوع معين من الأشخاص الأذكياء يكون قبل كل شيء، ناقلا متفوقا وأكثر التزاما لحالاته الداخلية، أو، كما قال إيمرسون: “في عقول العباقرة، نجد – مرة أخرى – أفكارنا الخاصة المهملة.”

يواجه الذين كرّسوا أنفسهم للصدق والمراقبة الذاتية عدم الفهم والغضب والرقابة أو الضجر، عندما يحاولون مشاركة ما في عقولهم بصراحة وهم برفقة آخرين، هذا أمر شبه مؤكّد، بل إنّ إمكانية حدوثه كبيرة. سوف تبدو أفكارهم في السياسة مثلا، أو الهندسة المعمارية أو الحياة الأسرية أو الجنس أكثر تهديدا، حدّة، وانحرافا أو أكثر رقّة من المسموح.

أن يكون المرء في مزاج لتأطير الأشياء بهذا الشكل، هذا يولّد شعورا بالوحدة. ببساطة، عدد الملتزمين بالصدق الذاتي والمراقبة الذاتية -المؤهلون بالتالي لتبادل الأفكار عن الماهية الحقيقية لأن تكون على قيد الحياة- قليل عموما. ومع ذلك، ثمة مصدر واحد استثنائي مناسب تماما لمعالجة مشاعر الانفصال التي يكون الأذكياء عاطفيا عرضة لها: إنه الفن.

الأعمال الفنية هي المذكرات السرية للإنسانية: سجلات لكل ما لا يمكن أن يقال في السياقات الاجتماعية العادية، لكنه وجد مكانا في التواصل الذي يمكن أن يحدث بين العمل الفني وجمهوره. وهو التواصل الأكثر حميمية وصدقا. المكتبات ودور السينما وصالات العرض في العالم مستودعات لكلّ الأحاسيس التي لم تجد سبيلا يسيرا للتفاعل الاعتيادي والتي تحوي ما نحتاج قوله، ونتوق لسماعه كمشاهدين، في حالات وحدتنا.

لوحة لفانيسا بيل

لهذا، قد يعاني الأذكياء عاطفيا -على غير المعتاد- من أوقات عصيبة لأنهم لا ينفردون مع شخص ما، لكنهم يقضون وقتا ممتعا حين يجدون رفقة مع أشخاص  ليسوا في الغرفة، المدة الخيالية التي نستدعي الفن لأجلها.

لعلنا قد أفْرطنا في بعض المفاهيم المعتادة للصداقة. ربّما علينا فقط أن نتقبّل أنّ أفضل أصدقائنا يمكن أن يكون قد توفّي قبل 250 عاما – وأنه يدردش معنا عبر لمسات الطلاء أو عبر إيقاع بينتاميتار.

ومع ذلك، فإن الهدف حين تعاني من الوحدة لا ينبغي أن يكون مجتمعا ينتشر فيه الفن ويتاح أكثر، بل ربما مجتمعا يكون فيه الفن أقل أهمية – لأننا قد غدونا أفضل في إدراك كيفية تشارك حالاتنا في لحظات حياتنا العادية بشكل أكبر. مجتمع نجد فيه مسارا مباشرا وآمنا أكثر للخروج من وحدتنا.

  • بينتاميتار: بيت الشعر خماسي التفعيلة (pentameter)

المصدر

  • اللوحة المرافقة لإدغار ديغا

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

نهى سعداوي

تونسيّة، متحصلة على الماجستير في اللسانيات الانجليزية. مهتمة بالترجمة ودعم المحتوى العربي. هاوية كتابة. مناصرة للقضية الفلسطينية، لقضايا العرب والمسحوقين أينما كانوا.

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..