ثقافة دين سياسة و مجتمع فِكر

تساؤلات بخصوص الحداثة العربية الإسلامية: المذهبية وموت الفيلسوف ومقام الحيرة

المذهبية

يقع دعاة الحداثة العربية الإسلامية في إشكال النظر إلى الحداثة من منظورها السني المذهبي فقط، دون الأخذ بالاعتبار المذاهب الإسلامية الأخرى ولا سيما المذهب الشيعي، الذي يمثّل جزءا كبيرا من ذهنية العقل العربي الإسلامي، وكأن العقل العربي لا يعرف غير حالة التسنن فقط. أحسب أن هذا الطرح يسقط على غير دراية منه، في نظرة أحادية الجانب، تُخرج وتهمّش المذاهب الإسلامية الأخرى، لصالح النظرة السنية الثابتة/المسيطرة. ولا يزال صوت الخلاف الديني/السياسي قائما إلى الآن؛ أعني الخلاف الأول: من أحقّ بخلافة النبي بعد وفاته، علي وبنوه أم الخلفاء الثلاثة الأول، أو بتحديد أشد، علي أم بنو أمية. لا شك أن هذا الصراع امتد وتواصل حتى وصل إلينا، بعد رحلة استمرت زهاء أربعة عشر قرنا، من التاريخ الإسلامي؛ في ثوبه الجديد: التحالف السني العربي، وجمهورية إيران الإسلامية.

النقد الحداثي السائد يعرف البداية، أي الزمن النبوى والقرون الثلاثة الأولى. ففيها اكتملت الأصول الدينية والمعرفية، وثبتت كلّ من الفرق الإسلامية وأرست قوامها المنهجي والفكرى، الذي يميزها عن غيرها من الفرق الإسلامية الأخرى. وتلك هي البداية الأقوم، فعند دراسة تاريخ أي فكرة، يجب العودة إلى البدء، أي إلى المنبع التأسيسي، فنتناول الفكرة من بدئها وفي مهد تطوّرها حتى طور اكتمالها. لكن المشكلة لا تكمن في البداية قدر ما تكمن في الامتداد. فعند مراجعتنا للنزعة التنويرية في زمانها الراهن، نراها تتعامل في نقدها مع جزء من التراث الإسلامي، أعني الموروث السني، وليس التراث الإسلامي ككل. فعلى سبيل المثال، نحن نستحضر ابن تيمية والغزالي من التراث السني للتدليل على “موت العقل العربي” أو في ما يطلق عليه بالعقل التراثي الماضوي ولا نجد ذكر أسماء تراثية شيعية، تدخل تحت طائلة البحث الحداثي/التنويري.

مهما بلغ العقل الإسلامي من الاختلاف والفرقة، فأجزم أنه لا يعرفهما بالمعنى المعروف؛ أي القطيعة الكاملة. فهو يقوم على مصطلح “الأمة”، المنصوص عليه في الآية القرآنية: {إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُم أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبُّكُم فَاعْبُدُون} [الأنبياء:92]؛ لهذا، أرى وجوب التعامل مع التراث الإسلامي ككلّ، لا بصفة جزئية أو اقتطاعية، فيكون تقويم التراث قائما على نقد شامل للموروث كلّه.

وتأتي في هذا السياق بعض الأسئلة، التي أجدها شديدة الأهمية، وتظلّ قائمة:

أ/ من يحق له النقد التراثي والقيام بعملية التقويم أو التحديث؟

ب/ أي الطرق البحثية نتخذ في نقدنا هذا وأي الأدوات نستخدم؟

ج/ كيف سننظر إلى تراثنا؟ هل سننظر إليه باعتباره محض شر، أو باعتباره -كأي تراث إنساني- يحمل بداخله الأضداد؟

د/ ما موقفنا من الآخر/المغاير؟  وبأي المنطلقات سنتعامل معه؟

ما الفلسفة؟ وماهو عملها؟ ومن يطلق عليه وصف الفيلسوف؟

هذه معضلة أخرى من معضلات الحداثة العربية الإسلامية، فنحن بفحص بسيط ومتابعة يسيرة للوسط الثقافي قد لا نجد من يوسم بهذا الوصف: فيلسوف. فنحن نعرف كلمات مثل نمط، مفكر، باحث.. لكننا نستغرب وصف، الفيلسوف. فالفلسفة ارتبطت عندنا -بالأخص مؤخرا- بالزندقة أو البدعة، رغم الدور الذي لعبه الفكر الفلسفي في الحضارة الإسلامية، تلك نقطة. أما النقطة الأخرى، فأحسب أنها في علاقة بالتطور اللغوي للفظ الفلسفة أو الفيلسوف.

لم تعد الفلسفة تمارس نفس الدور الذي كانت تلعبه عند المؤسسين الآباء، فهي لم تعد تُعنى بالإلهيات أو الميتافيزيقيا. بالإضافة للإلهيات، اهتم آباء الفلسفة بالجانب الرياضي والطبيعي على حد سواء. فكانت الفلسفة حينها تشمل التفكير الإنساني بجانبه الوجودي الجواني، وأيضا بجانبه العقلي الأرضي، فلم تنزل الإنسان إلي الأرض ولا رفعته إلي السماء بل جعلته وسطا بين هذا وذاك. في الوقت الحاضر فقدت الفلسفة معناها الأول، وأصبحت أحادية الوجهة.

وصل التطور اللغوي إلى العقل الحداثي العربي، فهو من جهة، أصبح يستعمل اللفظ الفلسفي بمعناه الجديد الأوروبي. ومن ثم أسقط من الحسبان أن العقل الفلسفي الغربي ليس إلا تطوّرا لحضارة بعينها لا تشمل الكون كلّه. فأصبح يطلق على الباحث المجتهد في التراث الإسلامي لفظ مفكّر، وغاب لفظ: فيلسوف. فالباحث المدقق والناقد للتراث الإسلامي لا يزال يعمل داخل الحقل الديني التراثي ولم يتركهما إلى رحاب العقل المجرد، وهو عندهم لا يزال تابعا غير مبدع.

لا شك أن العقل الفلسفي الغربي، تطوّر ووصل إلى أبعد الحدود في المجالات البحثية المختلفة، وكلّ هذا بواسطة العقل التقني، لكن هذا لا يعني موت العقل الإيماني.

“وكلّ واحد من الناس مفطور على أنه محتاج، في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه” (الفارابي – آراء أهل المدينة الفاضلة)

“فإنَّنا معشر المُسلمين نعلم على القطع أنَّه لا يؤدي النّظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشّرع، فإنَّ الحقَّ لا يضاد الحقَّ، بل يوافقه ويشهد له مبدأ وحدة الحقيقة” (ابن رشد – فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)

“الحمد للهِ الذي أَوْجَدَ الأشياءَ عن عَدَمٍ وعَدَمَهُ، وأوقفَ وجودها على توجّهِ كَلِمِهِ، لنتحقّق بذلك سرّ حُدوثها وقِدَمَها من قِدَم” (ابن عربي – الفتوحات المكية )

“ومن تأمل قليلا في ماهية الزمان يعلم أن ليس لها اعتبار إلا في العقل، وليس عروضها لما هي عارضة له عروضا بحسب الوجود كالعوارض الخارجية للأشياء كالسواد والحرارة وغيرهما، بل الزمان من العوارض التحليلية لما هو معروضه بالذات. ومثل هذا العارض لاوجود له في الأعيان إلا بنفس وجود معروضه، إذ لا عارضية ولا معروضية بينهما إلا بحسب الاعتبار الذهني” ( صدر الدين الشيرازى-الحكمة المتعالية)

“وتحسب  أنك جرم صغير، وفيك انطوى العالم الأكبر” (علي ابن أبي طالب)

“لا تسألني إن كان الآران مخلوقا أو أزليا، بل سلني إن كان السلطان لصا أو نصف نبي” (أمل دنقل)

طه عبد الرحمن، فتحي المسكيني، أبو يعرب المرزوقي، عاطف العراقي، حسن حنفي، السيد الطبطبائي، محمد باقر الصدر، عبد الرحمن بدوى، سيد حسين نصر: كيف نتعامل مع هذه الأسماء، وغيرها الكثير، دون أن نهمش أحدا منهم، أو نخرجه من دائرة التجديد الفكري الفلسفي؟

مقام الحيرة

في الفكر الصوفي ثمّة مقام، يطلق عليه “مقام الحيرة”، واللفظ كما معناه المباشر، يأتي من التردد والاضطراب؛ اضطراب المعرفة واليقين، لا بالمعني السلبي التشكيكي، بل بالمعنى المعرفي الصوفي. في داخلنا، يسكن شوق دائم وتوق للمعرفة والسكون، يسعي إلى الانعتاق والخلاص، لكن حالات الثبات لا تستمر، وسريعا ما يشوبها اللون الرمادي، الذي يحجب الرؤية، فنصاب بالحيرة والاضطراب.

جنبا إلى جنب مع اللا استقرار المعرفي، يسكن اللا استقرار الجواني؛ وهو أعلي درجات العدم الدنيوي. فأن تكون غير مستقر جوانيا تتجاذبك الأفكار هنا وهناك، يعني أنك ميت بالمعني الحرفي للكلمة. حالات اللا استقرار المعرفي، تأتي من التشظي الجواني، أي التفتت الوجودي والشعوري. فكيف يلتئم ما أصاب الداخل من تفتّت؟ وأي وجهة يقصد الفرد، ليصبح ذاته؟

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

محمد حمدي

Leave a Comment

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂

نشر..