أدب تاريخ سياسة و مجتمع

وداعا يا قدس.. هذا ما سيكتبه الوقت بعد خمسين عاما

حين يكون السياح وقتها ينتظرون دورهم ليدخلوا إلى الهيكل، بتذاكر فضية في أيديهم، وكاميرات حديثة جدا، ونظرة توقٍ واشتهاء في أعينهم، وأوراق مطوية مكتوبة بكثير من اللغات ـلن تكون العربية من ضمنهاـ ستكون على المدخل منسقة بعناية، وفيها مخطط تفصيلي للأجزاء السرية التي يتطلب الدخول إليها صمتا وصوفيةً من نوع خاص، سيقف الحراس الإسرائيليون ليمنعوا الناس من لمس الهيكل، كما سيقومون بتنظيم الدخول الكثيف والخروج المنكسر للأرواح العطشى للإيمان بالأسطورة، فلن يكون وقتها لدى الحراس ما يخشونه غير هذا.

سيكتب فلسطيني غيور ـسيكون اسمه كلاسيكيا وقتهاـ مقالا عن المسجد الأقصى، عن قبة الصخرة الذهبية ليبقيها في ذاكرة الأجيال، بالطبع ستكون القدس وقتها في أغاني تراث العجائز، وسيسأل بعض الأطفال الفضوليين عن المكان، ويمضون في ألعابهم، فليس من المجدي أن تتعلق بماضٍ لم يعد هناك ما يدلُّ عليه.

سيوردُ بعض الأبيات لكتاب مسلمين في رثاء القدس، ستشبه الأبيات ما قاله أبو البقاء الرندي في رثاء ملك العرب في الأندلس. ويثبتون أن لكل شيء إذا ما تم نقصانُ، وأن من سرّه زمنٌ ساءته أزمان، وتصطف القدس في قائمة الندم العربية والإسلامية الطويلة جوار ممالك أخرى. وسيصبح من الصعب على مفسري الآيات، ومدرسي الدين في المدارس أن يشرحوا للناس معنى الآية “من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”، ربما سيضطرون إلى استخدام خرائط قديمة، لأن الجوجل وقتها لن يسعفهم، ولا أعرف إن كان المسجد الحرام سيكون وقتها كي يشرح النصف الأول من الآية.

بعد خمسين عاما، سيأتي المقال ذاته، من الكاتب ذاته، لأنه سيكون الوحيد الذي يبدي اهتماما، فقط لأن بيته الموروث عن أبيه، شكّل جناحا من أجنحة الهيكل. وسيجيء الغضب في المقال متوازنا، لأن هذا فعلُ الوقت بالمشاعر. سيجيء في المقال ذكر عارض للمقاومة، وسيتساءل الأولاد حين يتعثرون بالكلمة صدفة أثناء بحثهم على الإنترنت، عن العلاقة بين المقاومة الكهربائية وهذه الكلمة، بين مقاومة الجسد للأمراض وهذه الكلمة. وسيمرّون سريعا كذلك إلى موضوع آخر، وسيأتي في المقال الطويل شيء عن سورٍ قديمٍ وأبوابٍ ومآذنَ وحاراتٍ وحوائط وزخرفات وزوايا ورُبَط وتكايا، وسيعجب عشرة قراء مسنّون بثقافة الكاتب الموسوعية.

ليس من المطلوب أن يتحرك أحد. القدس لا تحتاج لأحد يتحرك من أجلها، فكما تقول مذيعة الأخبار “للبيت رب يحميه”، لكن القدس ليست بحاجة لأن يتحرك أحد لسبب آخر. إنها لا تريد أن يتحرك من أجلها بشر غاضبون، يواجهون المحتلين قليلا ثم يهدأ غضبهم بعد عشر دقائق من انتهاء المواجهة. الغضب ينتهي كما بدأ، والغاضب يهدأ، لكن التحرك المسنود بفكرة لا يهدأ ولا ينتهي لأن الفكرة لا تموت، الفكرة حين تُبنى على معرفة، وتكون مساندة لمشروع سياسي، وإيمان بما لنا، حين نفهم الأهمية التي يشكلها كل حجر في القدس، مهما صغر، حين نعيه وهو يصنع التاريخ لحظة بلحظة، ليس فقط لأنه مقدس، فلا يكون الحجر مقدسا إلا بعد أن تحمّصه نار التاريخ، ولكن لأن هذه الحجارة احتضنت خطوة كل عظيم من العالم مر من هنا، منذ تأسست القدس إلى الآن.

ترتبط الأمور ببعضها البعض، فمن لا يملك ما يفعله تجاه المعتقلين والشهداء والحواجز والحدود واللاجئين والكهرباء والمياه والأمن والجدار، كيف ننتظر أن يكون لديه ما يفعله للقدس؟ وبذلك فمن الأفضل لنا، إذا لم يكن لدينا مشروع باتجاه القدس، عربا أو فلسطينيين، أن نقترح عنوانا منذ الآن لمقال الكاتب أعلاه: وداعا يا قدس.

تعليقات الفيسبوك

التعليقات

About the author

خالد جمعه

Leave a Reply

Be the First to Comment!


 
نشر..

ادعم قرطاس!

سجل اعجابك بصفحتنا على تويتر او الفيسبوك و كن متابعا وفيا 🙂